«لا سقف ولا طعام ولا ماء»؛ هكذا جاء وصف سكان مدينة ماريوبول، بأوكرانيا، في رسائل نصية كتبها ناجون لأقاربهم الذين فروا من الحرب حول استخدام القوات الروسية الجوع سلاحًا في حصارٍ دام شهرًا للميناء الجنوبي، حسب ما جاء في تقريرٍ أعدَّه مجموعة من المراسلين ونشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية.

دولي

منذ 4 شهور
«الإندبندنت»: لماذا ترغب روسيا بشدة في الاستيلاء على مدينة ماريوبول في أوكرانيا؟

تبدأ الصحيفة تقريرها بمشهدٍ من مدينة ماريوبول مع يوليا بيلي، خبَّازة تبلغ من العمر 33 عامًا، والتي احتمت بقبو أحد الجيران مع بناتها الثلاث وكافحت من أجل البقاء، وذلك بعد أن حاصرت القوات الروسية مدينة ماريوبول في جنوب أوكرانيا وقطعت المياه والوقود ومنعت قوافل المساعدات من دخول المدينة.

كان زوجها يدافع عن المدينة؛ لذلك غامرت بالخروج، بينما كانت القنابل تتساقط، لجلب المياه من بئرٍ بعيدٍ وحاولت تهدئة أطفالها في وقتٍ كان فيه القصف يهز جدران البيوت وأسقفها، وبمرور الوقت، تضاءل طعام الأسرة، وقالت يوليا إنها أطعمت أطفالها الجائعين وعاءً من العصيدة يشاركونه فيما بينهم طوال اليوم.

حصار تجويع

ولفت التقرير أن روسيا، بعد فترةٍ وجيزةٍ من غزوها لأوكرانيا، فرضت حصارًا على ماريوبول، مستخدمةً تكتيكًا حربيًا قديمًا يتمثل في محاولة تجويع المدينة، التي كانت صاخبةً ذات يوم، والتي يبلغ عدد سكانها 430 ألف نسمة لإجبارها على الاستسلام.

ومنذ الأيام التي حاصرت فيها الجيوش قلاع العصور الوسطى في أوروبا إلى معركة ستالينجراد في الحرب العالمية الثانية، والضغط على مناطق المعارضة في سوريا خلال الحرب الأهلية، استخدمت الجيوش الحصار عبر التاريخ بغض النظر عن الآثار الكارثية، التي تصيب المدنيين الذين يجدون أنفسهم عالقين بين الجانبين.

Embed from Getty Images

في هذا الشهر، اتهم وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكين روسيا بتجويع المدن في أوكرانيا، واستحضر ذكرى شقيق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فيكتور، الذي توفي في طفولته أثناء الحصار الألماني لمدينة لينينجراد خلال الحرب العالمية الثانية، وقال بلينكين: «إنه أمر مخزٍ؛ إن العالم يقول لروسيا: أوقفوا هذه الهجمات على الفور، ودعوا الطعام والدواء يدخلان، ودعوا الناس يخرجون بأمان، وأنهوا هذه الحرب الاختيارية ضد أوكرانيا».

وتشير الصحيفة إلى أن علماء حرب الحصار يقولون إن هذا التكتيك يخدم أغراضًا مختلفة منها: إضعاف الأعداء مع تجنب الاشتباكات التي يمكن أن تقتل جنود القوة المُحاصِرة، أو تجميد الجبهات النشطة أثناء إعادة تمركز القوات المهاجمة، ولكن الطبيعة القاسية للحصار، وكيف يستخدم الجوع للنيل من المُحاصَرين، يمنح هذا التكتيك قوة نفسية فريدة بين تكتيكات الحرب، وفقًا للعلماء والناجين من الحصار.

وسيلة لكسر الإرادة

ونقلت الصحيفة عن منى خيتي، الباحثة في شؤون الصحة والنوع الاجتماعي، قولها: «يُعد الحصار وسيلةً لكسر الإرادة والإذلال، وأخيرًا للسيطرة»، وقالت إن حرمان منطقة سكنية من الطعام أثناء قصفها لا يؤدي إلى طرد المقاتلين فحسب، ولكن أيضًا إلى إرسال رسالة لكل محاصرٍ بالداخل مفادها أنه ليس إنسانًا يستحق أن يأكل أو يشرب أو يتناول دواءً أو حتى يتنفس!».

Embed from Getty Images

وقال رئيس البلدية، فاديم بويتشينكو، للتلفزيون الوطني الأوكراني، بعد أن حاصروا ماريوبول الشهر الماضي، قطعت القوات الروسية المدينة عن كل ما تحتاجه للعيش، وقال بويتشينكو إنهم دمروا أيضًا محطات توليد الكهرباء في المدينة، وقطعوا الكهرباء عن السكان لتصل درجات الحرارة حد التجمد، ثم قطعوا المياه والغاز الضروريَين للطبخ والتدفئة.

وتمكن بعض المدنيين من الفرار، وعانوا برحلات مُريعة عبر الشوارع المدمرة ونقاط التفتيش الروسية. ولكن يُعتقد أن حوالي 160 ألف شخص ما زالوا محاصرين داخل المدينة، وفقًا لبويتشينكو، وأن أكثر من عشرين حافلةً أُرسِلت قبل أيام لإجلائهم، ولم تتمكن من دخول المدينة بسبب القصف الروسي.

وقالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر يوم الإثنين إنها أوقفت عمليات الإغاثة في ماريوبول؛ لأن الأطراف المتحاربة لم تضمن سلامة عمال الإغاثة، وقَدَّر رئيس البلدية أن ما يقرب من 5 آلاف شخص، من بينهم حوالي 210 من الأطفال، قُتِلوا هناك، لكن الأرقام لا يمكن تأكيدها بسبب صعوبة الحصول على المعلومات.

وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لمجموعة من الصحافيين الروس المستقلين يوم الأحد إن القوات الروسية تسيطر على أجزاء من ماريوبول، ولكن وسط المدينة لا يزال صامدًا، وفقًا للتقديرات العسكرية الأوكرانية والبريطانية، وقال أحد مساعدي رئيس البلدية، بيوتر أندريوشينكو، للصحيفة إن ما يقدر بنحو 3 آلاف مقاتل أوكراني من كتيبة آزوف كانوا يدافعون عن المدينة ضد حوالي 14 ألف جندي تدعمهم موسكو.

نريد طعامًا

ونقلت الصحيفة عن كريستينا، إحدى سكان ماريوبول، أنها وزوجها وطفليهما خيموا في مدخل المبنى السكني عندما بدأ الحصار، أملًا في أن يوفر لهم هذا المكان مأوًى وحماية أفضل من شقتهم، وغامر زوجها، وهو محلل أعمال، بالخروج بحثًا عن الماء بينما طبخت الطعام على النار المباشرة خارج المبنى، كما جمعوا مياه الأمطار والثلج، وغَلُوا الماء لتعقيمه.

Embed from Getty Images

وقالت كريستينا، التي لم ترغب في استخدام اسمها الكامل خوفًا من الانتقام، إنها قرأت القصص الخيالية لأطفالها في محاولة لصرف انتباههم عن الأهوال التي يعيشونها، ولكن عندما يتضور الأطفال جوعًا، «يختفي الوهج من عيونهم، ويفقدون الاهتمام بأي شيء»، وقالت: «كنا نأكل مرةً في اليوم، وكان الأطفال يصرخون معظم الوقت في الصباح أو في المساء قائلين: «نريد طعامًا».

وهربت عائلتها أخيرًا من المدينة، لكنها تركت وراءها والدها وأجدادها، وهي تجد مشقةً في التواصل والاطمئنان عليهم؛ لأن شبكات الهاتف في المدينة معطلة في الغالب، وقالت إنهم أرسلوا لها رسالةً نصيةً الأسبوع الماضي تقول: «لا سقف ولا طعام ولا ماء».

ويصف الأطباء الذين يدرسون الجوع والمجاعة، أن الجوع عبارة عن عملية مروِّعة يقوم بسببها الجسم بتقويض نفسه للصمود؛ أولًا، يحرق الجلوكوز المخزن في الكبد، ثم الدهون، ثم العضلات، وفي حين أن الجفاف يمكن أن يقتل الإنسان في أقل من أسبوع، يمكن للشخص البالغ الذي يتمتع بتغذيةٍ جيدةٍ أن يعيش لأكثر من 70 يومًا على الماء وحده، بينما يستسلم الأطفال وكبار السن والمرضى بسرعة أكبر، وأظهرت أبحاث أخرى أن الجوع لا يضعف الجسم فحسب، بل يؤثر سلبًا في العقل أيضًا.

تداعيات نفسية

وقالت نانسي زوكر، أستاذة الطب النفسي والعلوم السلوكية في جامعة «ديوك»، للصحيفة إن البحث الذي أُجرِيَ خلال الحرب العالمية الثانية على 36 من المستنكفين ضميريًّا (الشخص الذي يدَّعي الحق في رفض أداء الخدمة العسكرية تحت زعم حرية الفكر أو حرية الضمير أو الدين) ممن تناولوا نظامًا غذائيًّا منخفض السعرات الحرارية على غرار النظام الغذائي لأسرى الحرب أظهر أنهم عانوا من «عواقب نفسية كبيرة».

سياسة

منذ 6 سنوات
أنقذوا مضايا.. ماذا يحكي لنا التاريخ عن الحصار والتجويع؟

وأضافت: «كانوا يعانون من عُصاب الجوع، وهو اضطراب عصبي ينجم عنه زيادة القلق وزيادة العزلة وزيادة الاكتئاب»، ويتفاقم هذا الضرر في الظروف المؤلمة، مثل الحروب، وقالت: «هذه مجاعة تحدث خلال كارثة»، مضيفةً أنه «من الصعب للغاية الفصل بين العواقب النفسية العميقة للعيش في حالة حرب وبين تلك الناجمة عن عدم وجود ما يكفي من الطعام».

وقالت إيرينا بيريدي، عاملة بلدية من ماريوبول، إنها بعد هروبها أُصيبت بصدمةٍ شديدةٍ لدرجة أنها لم تستطع تناول الطعام لأيامٍ، وبعد ذلك، بدأت تتوق إلى وجبة كاملة كل ساعة تقريبًا، وقالت إيرينا (29 عامًا): «لا تكاد تمر ساعة حتى أشعر برغبة في الأكل، ويبدو أنها مسألة نفسية، وتبدأ في تناول الطعام باستمرار، وتريد أن تأكل أكبر قدر ممكن»، وقالت إنها في البداية كانت في حيرة من أمرها، وأضافت: «ولكني الآن أرى أنه من الواضح أن هذه هي الطريقة التي يقاوم بها جسدي».

بينما كانت يوليا، الخبَّازة، تقاتل من أجل البقاء في قبو المبنى في ماريوبول، على حدِّ قولها، كانت القنابل تهز المبنى، وباتت القذائف أمرًا شائعًا لدرجة أن ابنتها آيدا (3 سنوات)، تعلمت التمييز بين القذائف القادمة والخارجة، وسرعان ما نفد طعام الأسرة، وأعطتها امرأة أخرى جرة من العسل، وقالت «هكذا نجونا، لم يكن لدينا طعام، لكن لا يمكننا أن نقول إننا لم نأكل؛ لأن ملعقة عسل مرة واحدة في اليوم هي بالفعل نوعٌ ما من الغذاء».

عندما تمكنت عائلتها أخيرًا من الفرار، شعرت بالضعف، كما لو كان جسدها يكافح لأداء وظيفته، وقدَّم الجنود الروس الحلوى لها ولأطفالها، لكنها رفضت في البداية، ثم غيرت رأيها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد