جرى تحديد مكان اثنين من المقابر الجماعية التي يُعتقد أنهما يحتويان على الآلاف من جثث السوريين الذين قُتلوا في مراكز الاحتجاز التي كانت تديرها حكومة الأسد خلال الحرب الأهلية.

نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» تحقيقًا لبن هابارد، رئيس مكتب الصحيفة الأمريكية في العاصمة اللبنانية بيروت، ومارليز سيمونز، مراسلة الصحيفة في العاصمة الفرنسية باريس، حول المقابر الجماعية التي كان يستخدمها نظام بشار الأسد في سوريا لدفن ضحاياه الذين يَلقون حتفهم في مراكز الاحتجاز لديه.  

ويستهل الكاتبان تحقيقهما بما يرويه الأشخاص الذي شهدوا دفن الجثث في المقابر الجماعية: «أثناء النهار، كان العمال يستخدمون الآلات الثقيلة لحفر الحُفر والخنادق، وبعد حلول الظلام، وصلت الجثث – أحيانًا بالمئات في المرة الواحدة – على متن شاحنات عسكرية أو في شاحنات التبريد المخصصة لنقل الطعام».

عام

منذ 6 شهور
رفعت الأسد.. كيف ترتكب كل الجرائم ولا تُسجن يومًا واحدًا؟

وبينما كان ضباط المخابرات الحكومية يراقبون، أُلقي القتلى في الأرض ودُفنوا بالقرب من العاصمة دمشق، وفقًا لرجال عملوا في موقعي مقبرتين جماعيتين في سوريا، وفي بعض الأحيان، كان العمال يضغطون على التراب بإحكام للحيلولة دون استخراج الكلاب للجثث.

وطوال 11 عامًا من الحرب الأهلية في سوريا، وثَّقت جماعات حقوق الإنسان والمنشقون عن الحكومة عمليات القتل الواسعة النطاق للمدنيين على أيدي قوات الأمن السورية في سعيها للقضاء على أي معارضة لديكتاتورية بشار الأسد، والآن جمعت صحيفة «نيويورك تايمز» أدلة تلقي ضوءًا جديدًا على أحد الألغاز الدائمة للحرب: ماذا حدث لجثث الآلاف من الذين ماتوا أو قُتلوا في مراكز الاحتجاز الحكومية؟

مقابلات مع أربعة أشخاص عملوا في المقابر الجماعية

أدَّت المقابلات التي أُجريت خلال الأشهر العديدة الماضية مع أربعة رجال سوريين عملوا في مقابر جماعية سرية أو بالقرب منها إلى فحص صور الأقمار الصناعية، وكشفت هذه القرائن معًا عن مكان موقعين، يضم كلُّ موقع منهما آلاف الجثث، بحسب الرجال الذين عملوا هناك، ويمكن أن يحتوي الموقعان أيضًا على أدلة قوية على جرائم الحرب التي ارتكبتها قوات الأسد، وفقًا لجماعات حقوق الإنسان، بما في ذلك التعذيب المنهجي وقتل المعتقلين.

يقول دياب سرية، الشريك المؤسس لرابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا السيئ السمعة في سوريا، والذي عمل على تحديد مقابر جماعية: «إذا لم تُحل قضية المفقودين والمختفين، فلن يكون هناك سلام في سوريا»، وأضاف: «نتلقى كل يوم مكالمات من أشخاص يريدون معرفة مكان أبنائهم، يقول كثير منهم: «أريد فقط أن أرى قبرًا حتى أتمكن من وضع زهرة عليه».

Embed from Getty Images

وبعد اندلاع الانتفاضة التي تحولت إلى حرب أهلية في عام 2011، نشَّط الأسد شبكته من الأجهزة الأمنية للقضاء على المعارضة من خلال حبس المتظاهرين والناشطين وغيرهم. وقالت وزارة الخزانة الأمريكية العام الماضي إن 14 ألفًا على الأقل من هؤلاء المعتقلين تعرضوا للتعذيب حتى الموت، لكن العدد الفعلي من المؤكد تقريبًا أنه يتجاوز ذلك بكثير. وقد اختفى أكثر من 130 ألف آخرين في مراكز الاحتجاز الحكومية، ويفترض أن عديدًا منهم قد لقوا حتفهم.

ونفَت الحكومة السورية مرارًا أنها قتلت أشخاصًا كانوا رهن الاحتجاز، لكن جماعات حقوق الإنسان وثَّقت هذه الممارسة على نطاق واسع، وجاءت مجموعة أدلة مهمة من مصور الشرطة السورية، الذي استخدم اسم «قيصر» بوصفه اسمًا مستعارًا، وفرَّ من البلاد في 2013 ومعه صور أكثر من 6 آلاف جثة، بعضها يحمل آثار تعذيب.

نبش المقابر ضرورة لعد الجثث وتعرُّفها

يلفت التحقيق إلى أنه لن يكون من الممكن عد الجثث في المقابر الجماعية ومعرفتها إلا من خلال نبش هذه المقابر، ولكن من غير المرجَّح أن يحدث هذا طالما بقي الأسد في السلطة، وتواصل روسيا، أقوى مؤيديه، توفير الدعم له، ولم يُحاسَب هو وكبار مسؤوليه على الفظائع التي ارتكبوها، كاستخدام الأسلحة الكيماوية ضد مواطنيهم.

وللفت الانتباه إلى تلك الفظائع، أحضرت فرقة الطوارئ السورية، وهي جماعة حقوقية، أحد الرجال الذين قابلتهم صحيفة «نيويورك تايمز» إلى واشنطن هذا الأسبوع للتحدث مع أعضاء الكونجرس وآخرين حول المقابر الجماعية، وأُرسلت جثث عديدة للذين ماتوا رهن الاحتجاز إلى المستشفيات الحكومية، حيث سُجِّلت وفاتهم، وفقًا لتقارير «هيومن رايتس ووتش» وغيرها، ووصف الرجال الأربعة الذين جرت مقابلتهم ما حدث بعد ذلك.

عربي

منذ 6 شهور
«فورين أفيرز»: كيف يجب على العالم التعامل مع حقيقة بقاء الأسد في السلطة؟

عمل هؤلاء الأربعة في مقابر جماعية أو بالقرب منها في دمشق وشاهد كل منهم بعض جهود حكومة النظام السوري للتخلص من الجثث، ويوجد اثنان من الرجال من اللاجئين الآن في ألمانيا، وآخر موجود في لبنان والأخير في سوريا. وتحدث ثلاثة شريطة عدم الكشف عن هويتهم خوفًا من انتقام حكومة النظام.

ولم تتمكن الصحيفة من التحقق عبر مصدر مستقل من جميع التفاصيل الواردة في رواياتهم، بما في ذلك العدد الإجمالي للجثث التي تذكَّروا رؤيتها. مع العلم أنه لم يشاهد كل منهما سوى جزء من عمليات الدفن التي نفذتها الحكومة السورية، والتي تقول جماعات حقوق الإنسان إنها تكررت على الأرجح في مواقع المقابر الجماعية الأخرى في جميع أنحاء البلاد.

لكن الكاتبين يوضحان أن رواياتهما كانت متَّسقة إلى حد كبير معًا ومع تقارير جماعات حقوق الإنسان التي وثَّقت انتشار الوفيات في مراكز الاحتجاز ونقل الجثث إلى المستشفيات، وأدلى أحد الرجال الذين جرت مقابلتهم بشهادته بشأن ما رآه في محاكمة تاريخية في ألمانيا حول جرائم الحرب في سوريا انتهت هذا العام بالسجن المؤبد لضابط مخابرات سوري سابق أُدين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

وقال الرجل إنه كان يعمل قبل الحرب لصالح حكومة دمشق في المحافظة في الإشراف على مدافن المدنيين، مضيفًا أنه في منتصف 2011، جنَّده ضباط المخابرات للتخلص من الجثث القادمة من مراكز الاحتجاز عبر المستشفيات، وقام بهذا العمل لمدة ست سنوات في مقبرتين جماعيتين.

مقبرة مدنية في نجها

وينقل التحقيق عن هذا الرجل قوله إن أول مقبرة جماعية عمل فريقه فيها، من منتصف 2011 حتى أوائل 2013، كانت في مقبرة مدنية في بلدة نجها جنوب دمشق، وقال إنه في البداية أشرفَ على عددٍ قليل من العمال الذين دفنوا أعدادًا بسيطة من الجثث، ولكن مع تصاعد حدة الصراع، ازدادت الأعداد وأصبح هو مجرد ترس في بيروقراطية الموت الهائلة.

Embed from Getty Images

وقال إنه حصل على حافلة نيسان بيضاء اللون مزينة بصور الأسد، وزي عسكري، وتصريح يسمح له بعبور نقاط التفتيش، وقبل الفجر، كان ينقل في حافلته أكثر من 10 عمال إلى المقابر الجماعية، وعلى جانب آخر، كانت شاحنات التبريد الكبيرة المخصصة لنقل الطعام تنقل الجثث من المستشفيات إلى القبور، على حد قوله. وعندما وصلوا، كان فريقه يرمي الجثث على الأرض، مضيفًا أن جثثًا عديدة كانت بها كدمات وجروح وأظافر مفقودة، وبعضها كان آخذ في التحلل – مما يشير إلى مرور بعض الوقت على وفاتها.

وينقل الكاتبان عن الرجل قوله إنه لم يكن يدفن الجثث بنفسه، لكنه كان يشرف على العمال ويتلقى أوراقًا من المستشفيات توضح عدد الجثث التي جاءت من كل مركز احتجاز، وقال إنه سجل هذه الأرقام في دفتر في مكتبه، لكنه ترك تلك الأوراق وراءه عندما فر من سوريا في 2017.

وقال إنه في بعض المراحل خلال السنوات الست التي عمل فيها في المقابر الجماعية، كان فريقه يفرِّغ شاحنتين نحو مرتين في الأسبوع، وكانت كل شاحنة منهما تحمل 150 إلى 600 جثة. كما كان الفريق يتلقى بضع عشرات من الجثث أسبوعيًّا من سجن صيدنايا، الذي وصفته منظمة العفو الدولية ذات مرة بأنه «مسلخ بشري»، حيث كان التعذيب متفشيًا وغالبًا ما يُقتل السجناء.

عام

منذ 3 سنوات
مترجم: هذا ما يحدث داخل سجن صيدنايا أو «المسلخ البشري» في سوريا

وقال إن الجثث التي جاءت من صيدنايا كانت في الغالب حالات وفاة حديثة، مضيفًا أن بعض الجثث كانت تبدو وكأنها تحمل علامات حِبال كانت ملفوفة حول أعناقها أو بها جروح ناجمة عن طلقات نارية، وفي بعض الأحيان كانوا يرمون الجثث في الخنادق ويُهيلون عليها التراب، وفي أوقاتٍ أخرى، كدَّسوا ما يصل إلى ثماني جثث في قبور مخصصة لجثة واحدة، على حد قوله.

صور الأقمار الصناعية

وألمح التحقيق إلى أن صور الأقمار الصناعية لمقبرة نجها خلال تلك الفترة تُظهر القبور ممتلئة، وتُظهر إحدى الصور التي التقطت في عام 2012 شاحنة ظهرها موجه نحو القبور ومركبة بيضاء قريبة، ربما تكون حافلة، وتشير الصحيفة إلى أنه خلال المحاكمة في ألمانيا لضابط المخابرات السورية السابق الذي أُدين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، شهد شخصان آخران أيضًا بشأن المقابر الجماعية في نجها.

وأحدهما كان إياد الغريب، وهو مسؤول سوري سابق أُدين العام الماضي بالتواطؤ في جرائم ضد الإنسانية لقيامه بنقل محتجين معتقلين إلى مكتب أمني معروف بممارسة التعذيب، وقال للمحكمة إن المعتقلين القتلى كانوا يُدفَنون في نجها إذا ظهرت على أجسادهم آثار تعذيب.

ورجل آخر قابلته صحيفة «نيويورك تايمز» كان سائق جرافة عمل في مقبرة نجها لمدة سبعة أشهر في عام 2012، وقال إن ضباط المخابرات المشرفين على الدفن طلبوا منه حفر حفرة مربعة كبيرة، ووصف هذا الرجل أيضًا وصول شاحنات التبريد بضع مرات في الأسبوع طوال الوقت الذي كان يعمل فيه هناك، وهي تحمل مئات الجثث التي كان العمال يلقون بها على الأرض في كل مرة. وقال إنه كان يُهيل عليها التراب، وأحيانًا كان يسير بجرافته فوق الموقع من أجل دك التراب للحيلولة دون نبش الكلاب للجثث.

وتذكَّر أن رائحة الموت كانت قوية لدرجة أنه فقد وعيه، مضيفًا أنه ذات مرة وصلت سبع جثث، بينها امرأتان وطفل، في شاحنة لبيع البوظة، ولا يزال المشهد يطارده بعد عقد من الزمان في ألمانيا، حيث يعيش لاجئًا، وقال: «لم يعد بإمكاني الاقتراب من عربة الآيس كريم».

ميدان رماية تحول إلى مقبرة جماعية

وفي أوائل عام 2013، قال الرجل الذي قاد الحافلة البيضاء إن الحكومة بدأت مقبرة جماعية جديدة بالقرب من قاعدة للجيش السوري في قطيفة، وهي بلدة شمال دمشق، وأوضح أن حفارة آلية حفرت خنادق يصل طولها إلى 100 ياردة، وعندما وصلت شاحنات التبريد، أمالوا صندوقها لإلقاء الجثث في أحد طرفي الخندق، وفي حال عَلَقَت الجثث، كان العمال يجرونها إلى الخندق لتدفنهم الحفارة.

Embed from Getty Images

وقال إن المجموعة التالية من الجثث دخلت الجزء التالي من الخندق، وهي عملية شاقة تكررت حتى امتلأ الخندق بالجثث، وعندئذ كانت الحفارة تحفر خندقًا جديدًا، وبِناءً على روايته، حددت صحيفة «نيويورك تايمز» الموقع وفحصت صور الأقمار الصناعية من تلك الفترة التي أظهرت خنادق طويلة مملوءة بالتراب تدريجيًّا، وتُظهر بعض الصور حفارة في الموقع، فيما تظهر صورة واحدة على الأقل حافلة بيضاء.

وحدَّد وليد هاشم، وهو جندي سابق خدم في قطيفة قبل انشقاقه نهاية عام 2012، الموقع نفسه بوصفه مقبرة جماعية، وقال في مقابلة هاتفية إن الموقع عبارة عن ميدان رماية حفرته الحكومة لدفن جثث الأشخاص الذين لقوا حتفهم في مقار الاحتجاز، وقال إن المنطقة تخضع لحراسة مشددة لإبعاد الناس، لكن كل فرد في القاعدة يعرف الغرض من ذلك، وقال هاشم: «لا يمكن أن يتحدث أحد عن ذلك أو يسأل عنه، لكن كل من عمل هناك كان على علم بالمقبرة»، بحسب ما يختم الكاتبان تحقيقهما.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد