أحد الإجراءات الاقتصادية القاسية ضد موسكو، تتمثل في الفشل المحتوم لمشروع خط أنابيب الغاز «نورد ستريم 2» الذي ينطلق من موسكو عبر بحر البلطيق باتجاه ألمانيا.

نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تقريرًا أعدَّته الأكاديمية إميلي هولاند تستعرض فيه التأثيرات المُقَيِّدة للتكامل في مجال الطاقة بين أوروبا وروسيا، في ضوء التهديدات الأمريكية لروسيا بفرض عقوبات في هذا المجال الحيوي.

تبدأ الأستاذة المساعدة في معهد الدراسات البحرية الروسية في مركز دراسات الحرب البحرية تقريرها بالإشارة إلى أن ما يقرب من 100 ألف جندي روسي انضموا إلى آخرين على طول الحدود مع أوكرانيا، في الوقت الذي حذَّرت فيه المخابرات الأمريكية من مخطط غزوٍ روسي لأوكرانيا، وبلغت التوترات بين موسكو والغرب ذروتها منذ نهاية الحرب الباردة.

وأجرى الرئيس بايدن والرئيس الروسي فلاديمير بوتين مكالمة فيديو استغرقت ساعتين في 7 ديسمبر (كانون الأول) للمساعدة في تهدئة الأزمة. وخلال هذا الاجتماع، أعاد بايدن التأكيد على دعم أمريكا للسلامة الإقليمية لأوكرانيا، وحذَّر من أنه إذا غزت روسيا أوكرانيا، فإن رد الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين سيكون أولًا وقبل كل شيء من خلال إجراءات اقتصادية قوية، وأن أحد تلك الإجراءات يتمثل في الفشل المحتوم لمشروع خط أنابيب الغاز «نورد ستريم 2» الذي ينطلق من موسكو عبر بحر البلطيق باتجاه ألمانيا.

دولي

منذ 5 شهور
سيناريوهات لغضب بوتين.. ماذا لو قامت الحرب بين روسيا وأوكرانيا؟

وللإجابة عن الأسئلة المطروحة: لماذا تستخدم الولايات المتحدة الطاقة لردع العدوان الروسي، ولماذا تُعد هذه إستراتيجية محفوفة بالمخاطر؟ تقول الكاتبة إن البحوث المتعلقة بأمن الطاقة، بما في ذلك بحثها الخاص، تبين التأثيرات المُقيِّدة للتكامل في مجال الطاقة، موضحةً أن اعتماد أوروبا على الطاقة في روسيا يعني أن التهديدات لمشروع خط الأنابيب هذا قد تتسبب في إلحاق ضرر بالغ بحلفائها الأوروبيين بقدر الضرر الذي تلحقه بروسيا. ولذلك، فإن أي تراجع في مشروع خط الأنابيب يتطلب إجماعًا قويًّا عبر الأطلسي.

وفي الوقت نفسه، تتشكل المصالح الروسية وفقًا لعلاقة التكامل بين روسيا وأوروبا في مجال الطاقة، بالإضافة إلى خط أنابيب غاز جديد يبدو جاهزًا لتعزيز الإمدادات إلى الغرب، ما يجعل الإقدام على غزو أوكرانيا أمرًا أقل عقلانية.

ما وراء الوجود العسكري الروسي على الحدود الأوكرانية

وتوضح الكاتبة أن التوترات الحدودية الملتهبة تهدد بجر روسيا والولايات المتحدة وحلفائها إلى صراع مفتوح حول مستقبل أوكرانيا، وحول الأمن الأوروبي برمته في نهاية المطاف. وكانت روسيا وأوكرانيا في حالة حرب منذ ضم الكرملين غير القانوني لشبه جزيرة القرم في عام 2014، ودعم موسكو للانفصاليين في الصراع المستمر في شرق أوكرانيا. ولم تنجح محاولات حل هذا الصراع، بما في ذلك اتفاقيات مينسك في عامي 2014 و2015.

ووعَدت الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو) بحماية أوكرانيا. وإذا كانت أوكرانيا هي المعتدية، فإن أحدًا لا يمكنه التكهن بأي نتيجة، بحسب التقرير.

Embed from Getty Images

ويقول الكرملين إن حشد القوات الروسية جاء ردًا على مناورات الناتو الواسعة النطاق وغير المخطط لها بالقرب من حدوده. ولطالما عدَّت روسيا توسُّع الناتو باتجاه الشرق تهديدًا لأمن روسيا، كما تَعُد موسكو تركيبَ أنظمة دفاع صاروخي باليستي على أراضي حلفاء الناتو بولندا ورومانيا انتهاكًا للنظام الأمني ​​بعد الحرب الباردة. وقال بوتين إن زيادة نشاط الناتو على الأراضي الأوكرانية يمثل «خطًّا أحمر» فيما يخص بلاده، ويسعى الكرملين للحصول على ضمان قانوني بأن الناتو لن يتوسَّع شرقًا.

خريطة تكامل الطاقة في أوروبا تُعقِّد الصراع

وأضافت الكاتبة أن الاتحاد الأوروبي يعتمد على روسيا في أكثر من ثلث إمداداته من الطاقة. وفي المقابل، تُعد أوروبا واحدة من أهم مستهلكي روسيا للنفط والوقود الصلب والغاز الطبيعي، وتعتمد موسكو اعتمادًا كبيرًا على مبيعات الصادرات تلك.

وقد أوضحت بحوث العلوم الاجتماعية كيف يمكن أن يؤثر التكامل التجاري في السيادة، وللطاقة أحد أكثر التأثيرات تقييدًا على قدرة أي بلد على بلوغ أهدافه. وعمومًا، فإن البلدان التي لا تملك موارد طبيعية كبيرة وتعتمد على عدد قليل من المورِّدين تكون أكثر عرضة لصدمات الإمداد والإكراه. وقد دفعت أزمة النفط عام 1973، على سبيل المثال، الولايات المتحدة لتغيير إستراتيجيتها الكبرى بالأساس نحو تأمين إمدادات الطاقة الأمريكية وتنويعها.

عربي

منذ 7 شهور
كيف ترسم أنابيب الغاز خطوطًا جديدة في السياسة العربية؟

وأدى اعتماد أوروبا في مجال الطاقة على روسيا إلى علاقة تعاونية أكثر مما هو معتاد في العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا، وقد تسبَّب هذا في بعض التوترات بين أوروبا والولايات المتحدة على مر السنين. وكان المثال الأخير الأكثر بروزًا عندما ترددت بعض البلدان الأوروبية في تنفيذ نظام عقوبات قاسية ضد موسكو بسبب ضمها لشبه جزيرة القرم، لأن تلك الدول لم تكن ترغب في الإخلال بإمداداتِها من الطاقة والنظام الاقتصادي القائم.

ونوَّهت الكاتبة إلى أن معركة بوتين مع أوكرانيا تعكس عدم ثقته العميقة تجاه الغرب؛ ذلك أن هناك تاريخًا طويلًا وراء عدم الثقة تلك.

وتطرَّقت الكاتبة إلى أن خط أنابيب «نورد ستريم 2» المثير للجدل يُعد رمزًا للتعقيد الناجم عن التكامل في مجال الطاقة بين أوروبا وروسيا. وتنتظر روسيا بشغف شديد موافقة الجهات التنظيمية الألمانية على خط الأنابيب المكتمل الآن. وإذا جرى التصديق على المشروع، فإن «نورد ستريم 2» سوف ينقل ما يقرب من 15% من واردات الاتحاد الأوروبي السنوية من الغاز إلى ألمانيا مباشرةً، الأمر الذي يتجاوز أوكرانيا بوصفها طريقًا رئيسًا لنقل الغاز ويحرم الحكومة الأوكرانية من عائدات مهمة، بالإضافة إلى إلغاء عامل ردع حاسم ضد العدوان الروسي.

تواجه أوروبا أزمة طاقة حادة هذا الشتاء، إذ يقول بوتين إن الموافقة على خط الأنابيب هي الطريقة الوحيدة التي يمكن لروسيا أن تساعد بها في تخفيف الأزمة. وتدعم الحكومة الألمانية الجديدة مشروع «نورد ستريم 2» دعمًا واسعًا، لأنها قضية ذات أهمية لجماعات الضغط التجارية القوية في ألمانيا.

Embed from Getty Images

وفي المقابل، تجادل أوكرانيا وبولندا ودول أوروبية أخرى بأن «نورد ستريم 2» مصمم لابتزاز أوروبا وزيادة الاعتماد على موارد موسكو. وما دامت أوكرانيا تُشكِّل ممرًا رئيسًا لعبور الطاقة الروسية إلى الأسواق الأوروبية، فإن تكاليف الحرب الشاملة ستكون باهظة على موسكو.

ومن جانبها، عارضت الحكومة الأمريكية مشروع «نورد ستريم 2» منذ مدة طويلة، وذلك لحماية مصالح أوكرانيا وسيادتها وتقليل اعتماد أوروبا على روسيا. وفي عام 2019، سمح الرئيس دونالد ترامب بفرض عقوبات على الشركات المشاركة في بناء خط الأنابيب على أمل عرقلة المشروع، وتنازل بايدن عن هذه العقوبات في مايو (آيار)، بحجة أن الحفاظ على العلاقات الجيدة مع برلين أهم من معاقبة روسيا.

سياسات «نورد ستريم 2».. ماذا تعني لأوكرانيا؟

وتشير الكاتبة إلى أن أزمة أوكرانيا الحالية تظهر تحديًا أساسيًّا للأمن الأوروبي؛ ذلك أن ردع روسيا أمر صعب بسبب ارتفاع مستوى التكامل الاقتصادي بين روسيا وأوروبا. وفي حين تنظر بعض دول أوروبا الشرقية إلى روسيا باعتبارها تهديدًا أمنيًّا وجوديًّا، فإن عددًا كبيرًا من حكومات أوروبا الغربية تنظر إليها باعتبارها شريكًا اقتصاديًّا مزعجًا، لكنه مربح.

دولي

منذ 7 شهور
مترجم: كيف أصبح الغاز ورقة مساومة جيوستراتيجية في أزمة الطاقة؟

والآن بات من الواضح على نحو متزايد أن الغرب يحتاج إلى رادع موثوق ضد العدوان الروسي على أوكرانيا. وفي ظل غياب رغبة قوية لدى واشنطن أو العواصم الأوروبية لنشر قوات أمريكية أو قوات الناتو لمساعدة أوكرانيا في الدفاع عن نفسها، فإن نهج واشنطن يتلخص في ضرب موسكو في أشد القطاعات إيلامًا: صادرات روسيا من الطاقة. ولكن هذا مرهون بتبني نهج موحد عبر الأطلسي، وهو نهج قد يتردد حلفاء أوروبيون كثُر في تنفيذه بسبب خطر إلحاق الضرر باقتصاداتِهم.

وتختم الكاتبة قائلة: وفيما يخص أوكرانيا، وباستثناء التدخل العسكري، ليس لدى واشنطن نفوذ كبير للتأثير في روسيا بما لا يضر بحلفائِها في الوقت نفسه. وقد يصبح فهم قيود التكامل في مجال الطاقة في أوروبا أكثر أهمية من أي وقت مضى في وقت تسعى فيه روسيا إلى إجبار الغرب على المشاركة في إعادة تقييم مستقبل أوكرانيا والأمن الأوروبي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد