نشر موقع «ذا كونفرزيشن» الأسترالي تقريرًا شارك في إعداده الدكتور بأول مازولا، وهو محاضر في الشؤون المصرفية والمالية في جامعة ولونجونج، وميتشيل جورج، الباحث في شؤون العملات المشفَّرة في جامعة ولونجونج، يستعرضان فيه تداعيات استخدام الأثرياء الروس العملات المشفرة.

العملات المشفرة.. مشروع قانون

يستهل الكاتبان تقريرهما بالإشارة إلى أن إليزابيث وارين، وهي عضوة ديمقراطية بارزة في مجلس الشيوخ الأمريكي، قدَّمت مشروع قانون إلى الكونجرس الأمريكي يرنو إلى وقف معاملات التشفير الروسية خشية أن تتفادى النخبة الروسية العقوبات الاقتصادية المفروضة من خلال تحويل ثروتها إلى عملات مُشفَّرَة. وحذَّرت إليزابيث في جلسة استماع تابعة للجنة في مجلس الشيوخ قائلةً:

«لا يستطيع أحد أن يقول إن روسيا يمكن أن تتفادى جميع العقوبات المفروضة من خلال تحويل جميع أصولها إلى العملات المشفرة. ولكن يرى داعمو القِلَّة الحاكمة الموالين لبوتين الذين يحاولون إخفاء مليار أو مليارين من ثرواتهم أن العملات المشفرة تبدو خيارًا مناسبًا».

دولي

منذ 6 شهور
«الجارديان»: بعد حرب أوكرانيا.. كيف سيجد العالم بديلًا للمنتجات النفطية الروسية؟

ويرى الكاتبان أن مشروع القانون لا يسعى إلى فرض حظر شامل على جميع معاملات العملات المشفرة الروسية. ولكنه سيمكِّن الحكومة الأمريكية من منع الشركات الأمريكية من إجراء معاملات العملات المشفرة المرتبطة بحسابات روسية خاضعة للعقوبات، كما سيمكِّنها من تطبيق عقوبات ثانوية على بورصات العملات المشفرة الأجنبية التي تتعامل مع أفراد أو شركات أو وكالات حكومية روسية تخضع للعقوبات.

وعلى الرغم من أن الأدلة تُظهِر أن معاملات العملات المشفرة الروسية ازداد عددها وارتفعت قيمتها في الشهر الماضي، فإن المقياس يشير إلى أن جهات الشراء عبارة عن مواطنين روس عاديين يسعون للاحتفاظ بمدخراتهم في ظِل انهيار قيمة الروبل.

الأثرياء الروس وعقوبات مستهدفة

وبحسب التقرير، تضر العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا بسبب غزو أوكرانيا بطبيعة الحال بالاقتصاد الروسي بأكمله. ومع ذلك، يتمثَّل هدفها في إلحاق الضرر بـ بوتين والمليارديرات الأثرياء الذين يدعمون حكمه عندما يكون هذا الأمر مؤلمًا للغاية. ويتمثَّل هدف هذه الإستراتيجية الأساسي في منع هؤلاء الأفراد من استخدام ثرواتهم أو نقلها من خلال تجميد الأصول التي يمتلكونها في الخارج وحجب إجراء المعاملات المالية.

Embed from Getty Images

غير أن استمرار عمل بورصات العملات المشفرة في روسيا، مثل بورصات بينانس ويوبيت ولوكال بتكوينز، يُشكِّل مصدر قلق للمسؤولين الأمريكيين منذ مدة طويلة؛ وآية ذلك أن وزارة الخزانة الأمريكية حذَّرت، قبل الغزو الروسي الأخير لأوكرانيا، من أن العملات المشفرة قد تقوِّض العقوبات المفروضة بالفعل على روسيا بسبب ضمِّها لشبه جزيرة القِرم عام 2014.

العقوبات.. انخفاض قيمة الروبل

ووفقًا للتقرير، يوضح الرسم البياني الأول أدناه لماذا يملك الروس العاديين سببًا وجيهًا لشراء العملات المشفرة. ومنذ غزو أوكرانيا في 24 فبراير (شباط)، انخفضت قيمة الروبل مقابل الدولار الأمريكي بنسبة تصل إلى 40%، لتصل قيمة الدولار الأمريكي من 76 روبل إلى 132 روبل. وحتى وقت نشر هذا التقرير، تبلغ قيمة الدولار الأمريكي 109 روبل.

رسم بياني يوضح قيمة جزء من السنت الأمريكي لكل روبل – المصدر: مؤسسة «تريدنج اكونومكس»

ويؤكد الكاتبان أن الرسم البياني الآتي يوضح قيمة المعاملات المالية بالبيتكوين التي أجرتها حسابات روسية بالروبل. ولا يُعد البيتكوين العملة المشفَّرة الوحيدة التي قد يشتريها الروس، ولكنَّها تُمثِّل إلى حد بعيد أكثر العملات المشفرة تداولًا وموثوقية من بين جميع عروض العملات المشفرة، ولذلك تُعد مؤشرًا مفيدًا للسوق. وقد صدرت هذه البيانات عن شركة كوين دانس، وهي شركة رائدة في مجال إحصاءات البيتكوين وخدماته. ومنذ أن بدأت الحرب في 24 فبراير وحتى وقت نشر هذه المادة، زاد الإنفاق على البيتكوين باستخدام الروبل بنسبة تبلغ 260%.

المصدر: مؤسسة كوين دانس – أحجام تداول البيتكوين عبر حسابات روسية بالروبل (أسبوعيًّا)

ويرى الكاتبان أن هذا الارتفاع مثير، ولكن تقل إثارته عندما نأخذ في الاعتبار انخفاض قيمة الروبل؛ وآية ذلك أن القيمة الأسبوعية لعملة الروبل التي تُحوَّل إلى بيتكوين بلغت نحو 28 مليون دولار أمريكي في الأسبوع الماضي، موازنةً ببلوغ قيمتها نحو 14 مليون دولار أمريكي في منتصف فبراير، ما يُمثِّل ارتفاعًا بواقع 100%.

وعلى الصعيد العالمي، لا تزال نسبة الأموال التي تُحوَّل إلى البيتكوين قليلة. ووفقًا لمؤسسة كيكو التي تُقدِّم بيانات عن العملة المشفَّرة، يُنفَق ما يتراوح بين 20 مليار دولار و40 مليار دولار أسبوعيًّا على البيتكوين. ولذلك لا يُمثِّل تداول البيتكوين والروبل سوى أقل من 0.14% من إجمالي التداولات.

حجم صغير من المعاملات المالية

ويضيف التقرير: من المهم أيضًا أن نأخذ في الحُسبان عدد الحسابات وحجم متوسط المعاملات المالية. ووفقًا لمؤسسة «جلاسنود»، وهي خدمة بيانات أخرى للعملات المشفَّرة، ارتفع عدد حسابات البيتكوين الروسية من 39.9 مليون حساب إلى 40.7 مليون حساب منذ غزو أوكرانيا في فبراير. (يبلغ عدد سكان روسيا نحو 144 مليون).

وارتفع المتوسط اليومي لحجم كل معاملة تجري بين البيتكوين والروبل، بناءً على بيانات صادرة عن بورصة بينانس، أكبر بورصة في روسيا، إلى 580 دولارًا بحلول منتصف فبراير. وتُقارَن هذه النسبة بمتوسط قيمة المعاملات المالية الأمريكية التي تبلغ 2.198 دولارًا في الوقت ذاته.

Embed from Getty Images

ويشدِّد التقرير على أن القدرة على وضع كميات كبيرة من الروبل من خلال بورصات العملات المشفرة التي تنشط في روسيا تخضع لقيود شديدة أيضًا بسبب انخفاض السيولة نسبيًّا في تجارة العملات المشفرة الروسية.

تشير السيولة إلى السهولة التي يمكن من خلالها تحويل أصل أو ورقة مالية، وهي في هذه الحالة البيتكوين، من أو إلى النقد من دون التأثير في سعر السوق. وعندما يمتلك السوق عددًا أكبر من جهات الشراء والبيع، يصبح من الأسهل إتمام المعاملة المالية، ويقل تأثير ذلك في سعر الصرف. وفي ظِل انخفاض عدد جهات الشراء والبيع، تزداد صعوبة هذه العملية.

ويُمثِّل مقياس سيولة بورصات البيتكوين الروسية قيمة الطلبات التي تقدمها جهات الشراء والبيع في أي وقت. وتبلغ هذه القيمة نحو 200 ألف دولار، موازنة بـ22 مليون دولار لبورصات العملات المشفرة في الولايات المتحدة، بما يبلغ 110 ضعفًا. وتشير هذه الإحصاءات إلى أن أي شخص يرغب في تداول كميات كبيرة من البيتكوين مقابل الروبل سيواجه صعوبات.

صغار المستثمرين

ولذلك، تشير الأدلة إلى أن المستثمرين الصغار يهيمنون على معظم هذه الزيادة في تداول العملات المشفرة الروسية. ويلمح الكاتبان إلى أن بوتين وأعوانه قد يستخدمون مئات أو آلاف الحسابات من أجل إجراء عِدَّة معاملات ذات حجم صغيرة لتحريك ثرواتهم.

ولكن من المُرجَّح بشدة أن تُستَثمَر ثروتهم في الغالب من خلال شركات وهمية في صورة أصول في أماكن مثل موناكو وجزر فيرجن البريطانية وأيرلندا أو حتى مقاطعة ديلاوير الأمريكية. وينوِّه الكاتبان في نهاية التقرير إلى أن ثمَّة قليل من الحُجَج التي تُساق ضد إستراتيجية استخدام فرض العقوبات الاقتصادية لمحاربة الأنظمة المتمردة.

وبخلاف التدخُّل العسكري المباشر، هناك عدد قليل من الأسلحة الأخرى الهادفة المتاحة. ولكن يلزم إجراء تحليل مُفصَّل لفرض أي عقوبة مقترحة مسبقًا حتى لا نبالغ في تقدير تأثيرها المُحتمَل.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد