نشر موقع «فوكس – Vox» تقريرًا أعدته ريبيكا هيلويل، مراسلة الموقع الأمريكي المهتمة بالذكاء الاصطناعي، تناقش فيه تداعيات انسحاب روسيا من محطة الفضاء الدولية، وخلُصت الكاتبة إلى أن تداعيات حرب روسيا ضد أوكرانيا قد يمتد لهيبها حتى يلامس الفضاء.

روسيا تنسحب من محطة الفضاء الدولية

تبدأ الكاتبة تقريرها بالإشارة إلى أن روسيا أعلنت أنها ستنسحب من محطة الفضاء الدولية بعد عام 2024، وأنها ستُطلِق محطة فضاء جديدة بعد وقت قصير. وهذه الخطوة ليست مفاجِئة بالضرورة، نظرًا إلى الطريقة التي غيَّرت بها الحرب الدائرة في أوكرانيا الجغرافيا السياسية. ويفكر برنامج الفضاء الروسي في الانسحاب من هذه الشراكة منذ سنوات. ومع ذلك، يُمثِّل هذا القرار ضربة قاصمة للتعاون الدولي في مجال الفضاء.

ونقلت وسائل الإعلام الروسية هذا الإعلان بعد أن ناقش يوري بوريسوف، الرئيس الجديد لوكالة الفضاء الروسية، القرارَ مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال اجتماع عُقِد بينهما يوم الثلاثاء الموافق 26 يوليو (تموز).

ولم توافق روسيا رسميًّا على دعم محطة الفضاء الدولية بعد عام 2024، ولكنَّ إدارة بايدن تعتزم دعم العمليات التي تنفذها المحطة حتى عام 2030 على الأقل. ويجب أن تفكر الولايات المتحدة الآن في كيفية إدارة المحطة دون مساعدة شريكها القديم (روسيا).

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ويوريس بوريسوف الرئيس الجديد لوكالة الفضاء الروسية 

ولن يكون هذا الأمر مستحيلًا بالضرورة، ولكنَّه سيكون صعبًا؛ والدليل على ذلك أن محطة الفضاء الدولية صُمِّمَت في الأساس بحيث تتحكَّم وكالة الفضاء الروسية (روسكوزموس)، ووكالة الفضاء الأمريكية (ناسا)، في الجوانب الحاسمة للعمليات التي تنفذها المحطة.

على سبيل المثال، تتحكم روسيا في الوقت الحالي في أنظمة تحكُّم الدفع الخاصة بالمحطة الفضائية، التي تقدم تعزيزات منتظمة تبقي المحطة في وضع عمودي وتمنعها من السقوط من مدارها. ومن دون مساعدة روسيا، من المفترض أن تُسلِّم موسكو تلك المعدات إلى وكالة ناسا، أو أن تستبدلها على الأقل.

هل تنهار محطة الفضاء الدولية؟

ووفق التقرير، من غير المفترَض أن تؤثر السياسة في محطة الفضاء الدولية. وكانت روسيا والولايات المتحدة قد بدأتا بناء المحطة الفضائية لأول مرة أواخر تسعينيات القرن الماضي، وتُعد هذه الشراكة إنجازًا عظيمًا في مجال التعاون الدولي، لا سيما في أعقاب الحرب الباردة، وسباق الفضاء الذي دام عقودًا.

ومنذ ذلك الحين، جمعت محطة الفضاء الدولية روَّاد فضاء من جميع أنحاء العالم بهدف إجراء أبحاث قد تساعد في نهاية المطاف نقل البشر إلى الفضاء الخارجي. وتضم شراكة محطة الفضاء الدولية الآن 15 بلدًا، وينظر إليها بعض الأشخاص بوصفها أعظم إنجاز حقَّقته البشرية، فضلًا عن أنها أهم من كل ما يحدث على كوكب الأرض.

دولي

منذ 8 شهور
جولة جديدة من الصراع البارد: ما الذي يعنيه سباق الفضاء بين أمريكا والصين؟

ولكن الواقع يثبت عكس ذلك على نحو متزايد؛ ففي عام 2014، استخدمت روسيا محطة الفضاء الدولية في محاولة الضغط على الولايات المتحدة حتى تعترف بضم موسكو لشبه جزيرة القِرم، التي تقع جنوب أوكرانيا (إذ لا تزال كييف تنظر إليها بوصفها جزءًا من أراضيها). وفي محاولة واضحة للضغط على الولايات المتحدة من أجل الاعتراف رسميًّا بادِّعاء روسيا ملكية شبه جزيرة القِرم، اقترح برنامج الفضاء الروسي أن يُنقَل تدريب روَّاد الفضاء إليها.

وترى كاتبة التقرير أن هذا القرار شكَّل تهديدًا خطيرًا في ذلك الوقت: إذ احتاج روَّاد فضاء محطة ناسا هذا التدريب حتى يتمكَّنوا من السفر إلى الفضاء على متن صاروخ سويوز الروسي، الذي يُعد في ذلك الوقت السبيل الوحيد للوصول إلى محطة الفضاء الدولية. واندلع الصراع بين واشنطن وموسكو، بعد أشهر قليلة من فرض الولايات المتحدة عقوباتٍ على روسيا بسبب غزوها لشبه جزيرة القِرم.

وردًّا على ذلك، أشارت وكالة روسكوزموس ضمنيًّا إلى أنها ستتوقف تمامًا عن نقل أي روَّاد فضاء يعملون لدى وكالة ناسا إلى الفضاء، بما في ذلك ديمتري روجوزين، الذي ترأَّس وكالة الفضاء الروسية حتى أُقيل في 15 يوليو (تموز)، وأشار (مازِحًا) في تغريدة إلى أنه يقترح أن «تنقل الولايات المتحدة روَّاد الفضاء إلى محطة الفضاء الدولية باستخدام الترامبولين (وهو جهاز للقفز الارتدادي)».

وعلى الرغم من الحرب الدائرة في أوكرانيا، حاولت وكالة ناسا أن تحافظ على مظهر الحياة الطبيعية على متن محطة الفضاء الدولية. ونشرت الوكالة تحديثات حول التجارب العلمية التي تجري على متن المحطة الفضائية، كما عقدت مؤتمرًا صحفيًّا للترويج لأول مهمة مأهولة بطواقم خاصة إلى محطة الفضاء الدولية، والتي انطلقت في أبريل (نيسان).

إطلاق صاروخ «سبيس إكس فالكون-9» إلى محطة الفضاء الدولية في أبريل (نيسان) 2022

غير أن الولايات المتحدة تسابق الزمن من أجل معرفة ما قد تبدو عليه محطة الفضاء الدولية من دون روسيا. وقد تطوَّعت شركة «نورثروب جرومان» (Northrop Grumman) لبناء نظام دفع يحل محل النظام الروسي، كما اقترح إيلون ماسك في تغريدة كتبها على «تويتر» أن تُقدِّم شركة «سبيس إكس» (SpaceX) المساعدة في هذا الصدد.

ووفقًا للتقرير، قد تنجح الجهود المبذولة لاستمرار عمل محطة الفضاء الدولية وإدارتها من دون روسيا لعِدَّة سنوات، ولكنَّ المحطة لن تمارس أعمالها إلى الأبد. ولا تزال وكالة ناسا تخطط لإخلاء محطة الفضاء الدولية بحلول نهاية العقد الجاري، وعندئذ ستخرج من مدارها ببطء فوق جزء بعيد من المحيط الهادئ، وهو ما يُمهِّد الطريق لأن تحل محطات فضائية جديدة محلها.

وتتضمن هذه المحطات محطة الفضاء الصينية (تيانجونج)، التي أطلقت أول وحدة في المدار في مايو (أيار) الماضي، ويعيش روَّاد الفضاء بالفعل على متنها، ومن المفترض اكتمال بناء المحطة بحلول نهاية عام 2022. وبالإضافة إلى كثير من محطات الفضاء التجارية الجديدة التي تبنيها الولايات المتحدة، تعتزم روسيا والهند إطلاق محطات فضاء وطنية خاصة بهما خلال السنوات العشر المقبلة. ونظرًا إلى أن هذه المحطات ستخضع بصفة عامة إلى إشراف بلد محدَّد، فمن المحتمل ألا تواجه تحدياتٍ كثيرة كالتي تواجهها محطة الفضاء الدولية.

هل ترسم روسيا مسارًا جديدًا في الفضاء

يؤكد التقرير أن استمرار حرب روسيا ضد أوكرانيا لم يؤثر في بعض الخطط التي وضعتها موسكو على المدى القريب في مجال الفضاء، على الأقل في الوقت الحالي.

فعلى سبيل المثال، هبط رائد الفضاء مارك فاندي إلى الأرض على متن مركبة سويوز الفضائية الروسية نهاية شهر مارس (آذار) بصحبة اثنين من روَّاد الفضاء. ولا تزال الوكالة تخطط لنقل رائدة الفضاء آنا كيكينا على متن مركبة «كرو دراجون» التابعة لشركة «سبيس إكس» في وقت لاحق من هذا العام. ولكن هناك جوانب أخرى لم تحددها الخطة الروسية المتعلقة بالفضاء، وربما تشير موسكو إلى نهج جديد تتبعه وكالة روسكوزموس.

على سبيل المثال، أثَّر تدهور العلاقات بين أوروبا وروسيا بالفعل على عملهما في الفضاء؛ إذ أصدرت وكالة الفضاء الأوروبية، التي تُمثِّل 22 بلدًا أوروبيًّا، بيانًا  أواخر فبراير (شباط) يُقر بالعقوبات المفروضة على روسيا. وردًّا على ذلك، أجَّلت وكالة روسكوزموس إطلاق عِدَّة أقمار صناعية في ميناء الفضاء الأوروبي بإقليم جويانا الفرنسي، وكان من المفترض أن تستخدم هذه الأقمار الصناعية صاروخ سويوز الروسي.

وفي سياق منفصل، تأزمت العلاقات بين وكالة الفضاء الروسية والمملكة المتحدة، بسبب الخطط التي وضعتها شركة «وان يوب – OneWeb» التي تقدم خدمة الإنترنت عبر الأقمار الصناعية، وتهدف إلى إطلاق 36 قمرًا صناعيًّا في الفضاء. وكان من المفترض أن تستعين هذه الأقمار الصناعية بوكالة روسكوزموس (عبر استخدام صاروخ سويوز مجدَّدًا) في 4 مارس، ولكن الوكالة رفضت أداء هذه المهمة ما لم تَبِع المملكة المتحدة حصَّتها في الشركة، فضلًا عن تعهُّدها بعدم استخدام الجيش البريطاني للأقمار الصناعية.

وأعربت المملكة المتحدة، التي أعلنت فرض عقوباتها على روسيا، عن عدم استعدادها للتفاوض في هذا الملف. وبدلًا من ذلك، أعلنت شركة «وان ويب» بعدئذ أنها ستستعين بشركة «سبيس إكس» لإطلاق بعض أقمارها الصناعية.

ولا نعرف حتى الآن مدى تأثير حرب روسيا ضد أوكرانيا في نهاية المطاف على تعاون موسكو مع وكالة الفضاء الصينية المأهولة. وفي السنوات القليلة الماضية، وضعت وكالتا الفضاء في البلدين خططًا على نطاق واسع للتعاون في مجال الفضاء، بما في ذلك محاولة بناء قاعدة على القمر. وقد تساعد روسيا أيضًا وكالة الفضاء الصينية المأهولة استكمال محطتها الفضائية الخاصة.

وتشير الكاتبة في نهاية تقريرها إلى أنه على الرغم من تضاؤل الفرص المتاحة لرأب الصدع بين واشنطن وموسكو مع مرور الوقت، فإن هناك دائمًا إمكانية تتمثَّل في أن تتصالح وكالتا روسكوزموس وناسا. تقول تيسيل موير هارموني، أمينة مجموعة أبولو في متحف الطيران والفضاء الوطني التابع لمؤسسة سميثسونيان ناشيونال: «في نهاية المطاف، حاول الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة أن يعملا سويًّا في الفضاء خلال الحرب الباردة، كما حاول البلدان أن يتفوقا بعضهما على بعض».

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد