كتبت ناتاليا أنتونوفا، صحافية وكاتبة مسرحية، وخبيرة أمنية في مجال الإنترنت، تقريرًا نشرته صحيفة «فورين بوليسي» الأمريكية عن استخدام روسيا لشركاتٍ عسكرية خاصة ومتعاقدين روس لتوسيع نفوذها الجيوسياسي في كثير من أنحاء العالم مثل سوريا وجمهورية أفريقيا الوسطى. وترى الكاتبة أن المتعاقدين الروس يعملون في شركات يديرها رجال أعمال ذوو صلة بالكرملين، وأنهم ينشرون العنف ويشجعونه أينما حلُّوا، كما يقضون على كل مَنْ يقف في طريقهم من الصحافيين أو المدنيين الآخرين.

وتستهل الكاتبة تقريرها بالإشارة إلى حادثٍ صادمٍ وقع لصديقٍ لها، فتقول: لن أنسى أبدًا اللحظة التي رأيتُ فيها صورة لجثة الصحافي ألكسندر راستورجيف. وكان ساشا، كما كنَّا نُسمِّيه، عنصرًا أساسيًّا في مشهد صناعة الأفلام الوثائقية في العاصمة الروسية موسكو ومُعلمًا طيب القلب لزوجي آنذاك، الذي كنتُ أنتِج أفلامه. وكان ساشا يبدو مزعجًا لمن لا يعرفه، لكنه كان صديقًا مِقدامًا مِعطاءً عندما تتعامل معه عن قرب.

دولي

منذ شهر
«سي إن إن»: لماذا تمثل القمة الأمريكية الروسية انتصارًا كبيرًا لبوتين؟

وقد قُتِل هذا الرجل، الذي رَبَتَ على كتفي ذات مرة وهمس في أذني قائلًا: «تذكري دائمًا أنك شخص جيد يا أنتونوفا»، بطريقة احترافية؛ إذ أُطلِقت عليه عدة رصاصات فأصابت قلبه، ومن المحتمل أن هذه الرصاصات خرجت من بندقية هجومية من طراز كلاشينكوف (إيه كيه) أو كلاشينكوف الحديثة (إيه كيه إم).

وسقط ساشا مُضرجًا بدمائه إلى جانب زميليه أورخان دزيمال، وكيريل رادشينكو، في جمهورية أفريقيا الوسطى، أثناء إجرائهم تحقيقًا صحفيًّا عن تعاملات محلية لشركة عسكرية روسية خاصة سيئة السمعة. وحدثت هذه الفظائع في عام 2018، ومنذ ذلك الحين لا تزال هواجسها تراود كل مَنْ عَرِف ساشا وأورخان وكيريل وأحبهم.

وحتى يومنا هذا، تصر الحكومة الروسية على أن الدافع وراء القتل كان «السرقة»، على الرغم من وجود أدلة كثيرة على أن هذه كذبة ساخرة على نحو صارخ.

المرتزقة الروس وجرائم الحرب

لفت التقرير إلى مسودة تقرير للأمم المتحدة، حصلت عليها صحيفة «نيويورك تايمز»، التي ذكرت أن المرتزقة الروس في جمهورية أفريقيا الوسطى يرتكبون جرائم حرب ويشجِّعونها – ويقودون المزيد من العنف في هذه الدولة المضطربة بالفعل والغنية بالمعادن. وما حدث لساشا، الذي سعى إلى تسليط الضوء على تعاملات هؤلاء المرتزقة، كان جزءًا من نمط مروع من العنف – وهو أسلوب شجَّعته موسكو.

Embed from Getty Images

ماذا يفعل المرتزقة الروس في جمهورية أفريقيا الوسطى؟ الجواب المباشر البسيط هو أنهم موجودون للمساعدة في ضمان إتمام الصفقات التجارية المربحة، والسماح لروسيا بمعرفة السياسة الداخلية للبلاد.

تحويلات مالية شبه رسمية

يشدد التقرير على أن ما يجب أن نفهمه هنا هو أن مصالح الدولة الروسية مرتبطة بشدة بالمصالح الخاصة – بسبب الفساد والإنكار المقبول عقلًا. كيف ينجح هذا على أرض الواقع؟ حسنًا، من المعروف أن السلطات الروسية، بما في ذلك الإدارة الرئاسية، سخية في التحويلات المالية شبه الرسمية وتستخدم الحسابات الخارجية لتغطية مساراتها – وهو أمر جرى توثيقه في مجالات منخفضة المخاطر نسبيًّا مثل تمويل الدولة لصناعة السينما، على سبيل المثال، ولكنه أكثر خطورة فيما يتعلق بإمكانية تتبعه في القضايا العسكرية.

وهذا بالضبط ما حدث عندما كانت وسائل الدعاية الروسية تموِّل فيلم «ماتيلدا» من إنتاج عام 2017 – وهي خطة أدَّت إلى نتائج عكسية عندما ادَّعى المشرِّعون الروس المحافظون أن الفيلم كان معاديًّا لروسيا لتصويره قصة حب بين آخر القياصرة الروس (نيقولاى الثانى) وراقصة باليه شابة (ماتيلدا كشيسينسكايا).

ويُعد هذا النوع من دمج المصالح الخاصة والعامة والمال بمثابة إستراتيجية طويلة الأمد للكرملين، وإن لم يكن ذلك ملحوظًا إلا نادرًا.

طاهي بوتين

تضيف الكاتبة قائلة: نحن نعلم أن عددًا من شركات المرتزقة المتورطة في صراعات في الخارج مرتبطة بيفجيني بريجوزين، وهو رجل أعمال لا تعرف الرحمة طريقًا إلى قلبه ويُلقب بـ«طاهي بوتين» بعد أن أصبح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورفاقه يترددون على مطعم يمتلكه. ويتضمن الماضي المروِّع لبريجوزين قضاءه معظم حقبة الثمانينيات خلف القضبان بتهمة السطو المسلح وتُهم أخرى متنوعة.

كما نعلم تمامًا أنه مثل جميع اللاعبين الآخرين؛ إذ يُعد بريجوزين مسؤولًا أمام الكرملين – حتى وإن لم يكن هناك أدلة دامغة يمكن أن نسُوقَها بشأن جميع مشروعاته، وذلك ببساطة، مرةً أخرى، لأن النقود غالبًا ما تنفد وينتهي الحال بالأشخاص الذين يذهبون لتقصي هذه الأنواع من الصِّلات بالقتل على نحو منتظم.

وفي غضون ذلك، انخرط أفراد بريجوزين في كل مكان من مدغشقر إلى موزمبيق – وهذا إلى جانب مشاركتهم في الصراع في أوكرانيا. ولكن من أجل فهم الأنشطة الروسية في جمهورية أفريقيا الوسطى وأماكن أخرى، يجب علينا أولًا أن نأخذ في الاعتبار تطلعات بوتين على المسرح العالمي.

Embed from Getty Images

وتوضح الكاتبة أنه من السذاجة الاعتقاد بأن روسيا لا تراقب باهتمام الاستثمارات الصينية في أفريقيا. وخلال السنوات السوفيتية، كان الروس حريصين جدًّا على تنمية العلاقات مع دول القارة الأفريقية، على أي حال. وبينما يصر بوتين على أن يكون له مجال نفوذه الخاص، فإنه سيواصل إعادة بناء ما يراه مطالبَ مشروعة لموسكو في أجزاء مختلفة من العالم، من بينها الدول الأفريقية.

صداقة ظاهرية وتنافس خفي

وألمح التقرير إلى أنه على الرغم من الصداقة الظاهرية بين بكين وموسكو – وهي صورة تغذيها بلا هوادة آلات الدعاية لكلا البلدين – فإنك إذا قضيتَ وقتًا كافيًا في روسيا، فسوف تدرك أن هناك قدرًا لا بأس به من الشكوك التي تساور الكرملين بشأن الصين والمجتمع الصيني بوجه عام. ويتحدث القوميون الروس على وجه الخصوص بصوت مسموع عن فكرة أن الصين ستستولي على الشرق الأقصى وسيبيريا في نهاية المطاف، حتى مع إصرار المزيد من المصادر المتحالفة مع الكرملين على أن هذا مجرد إشاعات بدافع الخوف.

غير أن النزعة القومية تتصاعد في روسيا منذ سنوات. ويسعى الكرملين على نحو روتيني إلى استمالة القوميين على وجه التحديد؛ لأنهم يمكن أن يكونوا مقياسًا جيدًا للحالات المزاجية التي تجوس عبر بقية المجتمع – وهو مجتمع يتزايد فيه جنون العظمة ونظريات المؤامرة والمواقف الرجعية على حد سواء. (إذا كنت تريد دليلًا، ففكر في المقاومة الروسية الشديدة للقاح كوفيد-19 المطور محليًّا).

ومع أن النظرة الغربية إلى العالم ستجعلنا نعتقد أن روسيا تتنافس مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي فقط، فإن هذا الأمر يختزل الحقيقة. ومن خلال توسيع نطاق مصالحه لتشمل أفريقيا، يرسل بوتين أيضًا رسالة إلى الزعيم الصيني، شي جين بينغ، مفادها أن روسيا تهدف إلى أن تكون لاعبًا مستقلًّا، وليست صديقًا تابعًا للصين.

ازدراء حياة المدنيين

ويشدد التقرير على أنه لا ينبغي لبوتين أن يقتل الأبرياء في البلدان الأفريقية من أجل استعراض عضلاته. لكن إذا نظرت إلى السلوك الروسي في سوريا، فيما يتعلق بهذا الشأن، وفي الشيشان، ستلاحظ ازدراءً لحياة المدنيين – وعليك أن تضع في اعتبارك أن هذا السلوك يأتي من القوات الروسية النظامية. وفي حالة انخراط المتعاقدين العسكريين الروس من الشركات الخاصة، تكون المعايير أقل بكثير، وحتى التظاهر بالمسؤولية القانونية يتبدد تمامًا. لماذا لا يتصرف هؤلاء المقاتلون على نحو أسوأ؟

Embed from Getty Images

خلال بعض أسوأ شهور الجائحة العام الماضي، كنتُ أفكر كثيرًا في ساشا وكيف كان سينظر إلى التطورات الحالية. ولأني غير قادرة على تَفهُّم وفاته، شرعتُ في محاولة معرفة المزيد عن نوع الأشخاص الذين كانوا مسؤولين عن وفاته. وفي مرحلة ما، قادني مصدر مجهول إلى حد كبير إلى مصدر مجهول أكثر، وافق على التحدث معي بشأن ما وصفه بأنه المدة القصيرة التي قضاها في مجموعة عسكرية روسية خاصة.

مال الارتزاق كثير للغاية

ينوِّه التقرير إلى أن الرجال الذين ينضمون إلى هؤلاء المتعاقدين الروس غالبًا ما تكون لديهم خلفية عسكرية، واهتمام بالمال، وعدم اهتمام بطبيعة العمل، حتى وإن عملوا حراسًا لمراكز تسوق. وقدَّم المصدر الذي تحدثتُ معه توصيفًا دقيقًا لهم واعترف بعدم وجود اكتراث بشأن التشريعات الروسية الملتوية التي تجعل المتعاقدين العسكريين الخاصين، من الناحية الفنية، غير قانونيين، وبذلك لا يتمتع أعضاؤهم بأي حماية – «لأن المال يكون كثيرًا».

دولي

منذ شهر
ستراتفور: العلاقات السرية بين روسيا ومجرمي الإنترنت.. سلاح موسكو المخيف ضد الغرب

لم أكن بحاجة لسؤاله عن سبب مقتل صديقي – كنت أعرف السبب: كان ساشا وفريقه ينقبون عن أشخاص خطرين، وأراد هؤلاء الأشخاص الخطرون إرسال رسالة بشأن ما يحدث لمَنْ يسعون للتنقيب عنهم. لكنني أردتُ أن أسأله عما يمكن أن يفعله الصحافيون الآخرون لتجنب المصير نفسه. فقال ضاحكًا: «اكتبي عن الأشياء الجميلة فقط، اكتبي عن الفن. اكتبي حرفيًّا عن أي شيء آخر باستثناء هذا الأمر».

وبينما أزعجني كلامه، فإنه كان يتحدث عن حقيقة أساسية. وسيستمر الاعتماد الروسي على المرتزقة في أن يكونوا جزءًا حيويًّا من إستراتيجية الكرملين. إنه يمكن التضحية بهم وليس في البيروقراطية العسكرية ما يمنع ذلك. ونظرًا إلى أن المجتمع الروسي ليس حريصًا حرصًا مفرطًا على الزعم بأنهم ينتمون إليه، ولا يقدِّم لهم أي نعي علني عند وفاتهم، فإنهم لا يمثلون مصدرًا لمشكلات كبيرة تخص العلاقات العامة المحلية.

التخلص من ذريعة المساءلة

وتكشف الكاتبة عن أن المنظمات العسكرية الخاصة للحكومة الروسية تسمح بالتخلص من ذريعة المساءلة. وطالما أنهم يجسدون المصالح المالية لكثير من الناس – من المرتزقة الذين يقومون بالأعمال الشاقة وصولًا إلى مستثمريهم الغامضين – فإن أنشطتهم ستخضع للحراسة بلا رحمة.

Embed from Getty Images

وبالطبع، فإن ما يجعل هؤلاء المتعاقدين مناسبين للعمل يجعلهم أيضًا عرضة للاشتباك مع القوى الأجنبية. لقد رأينا الكثير عندما سحقت القوات الأمريكية بسهولة المرتزقة الروس في سوريا، قبل أشهر قليلة من مقتل ساشا في جمهورية أفريقيا الوسطى. ولم تظهر أي مؤشرات على عواقب وشيكة، على الأقل ليس للأمريكيين.

ومع ذلك، فقد تساءلتُ: هل كان القتل الوحشي لساشا في جمهورية أفريقيا الوسطى في وقت لاحق من ذلك العام علامة على تصعيد – نوع من التحول في السياسة الداخلية، ترخيص بالتحول إلى عدوانية أكثر عند الضرورة. فضحك المصدر الذي تحدثتُ معه. ثم تأمل للحظة وقال أخيرًا: «من يدري. ربما تكونين محظوظًة وسيكون هناك تسريب في النهاية».

وفي ختام تقريرها، أكَّدت الكاتبة أن ما يبقى واضحًا تمامًا هو أن القرويين العزَّل والصحافيين وأي شخص آخر يقف في طريق المرتزقة الروس من المحتمل أن يواجه مصاعب شتى. ولا توجد آليات لاحتواء هذا العنف باستمرار، والغضب الدولي لا يزعج الكرملين أو بريجوزين أو أي شخص آخر لديه حصة مباشرة أو غير مباشرة في الشركات العسكرية الخاصة. وكما قال المصدر: «إنهم يريدون أن يخافَهم الناس، لا أن يحبوهم».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد