يصعب معرفة ما يجب قوله لشخص في أوج حزنه، أو شخص مكلوم بعد إقدام أحد أحبائه على الانتحار. حينها حتى الكلمات المناسبة قد تكون مُحيِّرة ومحفوفة بالألم. لا ينتهي ألم الفقد بموت الأحبة، فالشخص الذي فَقَدَ أحد أحبائه يُترَك مملوءًا بالغضب، والارتباك، والشعور بالذنب، وفي هذه الحالة، حتى أصدق الكلمات نيةً قد تؤلمه.

تحاول الكاتبة غايل برانديز، في مقالها في صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية إرشادنا إلى ما يمكن قوله لشخص أقدم أحد أحبائه على الانتحار. وذلك انطلاقًا من تجربتها الشخصية؛ إذ فقدت أمها منذ 10 سنوات بعد انتحارها.

برانديز كاتبة وشاعرة أمريكية وُلِدَت في شيكاغو، نُشِرَ لها عددٌ من الكتب تتنوَّع بين الرواية والشعر، من بينها كتاب تناولت فيه تجربتها مع وفاة أمها، ومحاولاتها لتجاوز الأزمة بعد حادثة الانتحار.

مترجم: 6 عادات تدمر الحب وعلاقتك بشريكك من دون أن تعرف

لا تقل «أعرف ما تشعر به»

تواصلت الكاتبة مع ديبي بوسنين، المديرة التنفيذية للجمعية الأمريكية للحدِّ من الانتحار – في مدينة ميندين بولاية نيفادا – طلبًا للنصيحة. وقالت بوسنين: «لا تقل «أفهم ما تمر به» إلا إذا كنت حقًا تفهم».

كان لهذا أثره العميق على الكاتبة؛ إذ تذكَّرَت أنها بعد أيام من إقدام والدتها على الانتحار في 2009، نقلها زوجها هي وطفلها حديث الولادة لإجراء أول فحص طبي بعد الولادة. كانت لا تزال متأثرة بخبر الانتحار. إذ فارقت والدتها الحياة بينما كان يبلغ عمر طفلها أسبوعًا واحدًا. وتابعت أنها لم تكن تنام، وبالكاد تتحدث، وصعب عليها إقناع نفسها بمغادرة المنزل للذهاب للفحص. بدا كل عصب في جسدها على وشك الانهيار ومستعدًا للكارثة القادمة.

قادتهم مُساعِدة القابلة إلى غرفة فحص مريحة في منزل القابلة، وقدَّمَت لها كرسيًا هزازًا للجلوس عليه. لم تستطع الكاتبة آنذاك كبح دموعها، تسرَّبَت الدموع من عينها، واللبن من ثدييها، بينما تُحرك الكرسي للأمام والخلف، وتضم الطفل إلى صدرها بقدر ما تستطيع خوفًا عليه، ثم تنهَّدَت المساعدة وقالت لها: «أعرف ما تشعرين به. مات حبيبي السابق بأزمةٍ قلبية الأسبوع الماضي».

وتابعت المُساعِدة أنها لم تتحدَّث معه منذ سنوات، أما الكاتبة فتتذكَّر أن والدتها كانت تصرخ بها على الهاتف قبل ساعات فقط من وفاتها. بعدها بدأت الكاتبة تُردِّد داخل عقلها: «أنت لا تعرفين ما أشعر به، أنت لا تعرفين بما أشعر». وعند دخول القابلة الغرفة، كانت في حالةٍ يرثي لها.

ساعدها الحوار مع بوسنين على معرفة ما أغضبها ذلك اليوم، بقدر ما تعرف أن المُساعِدة كانت متألِّمة أيضًا وتحاول إيجاد حلقة اتصال، لكنها لم تفهم فعلًا ما تمر به، لذا شعرت الكاتبة أن ما مِن أحدٍ يراها بحقٍّ في وسط أساها المُعقَّد الجديد.

Embed from Getty Images

لا تقل إن الانتحار أنانية

تقول بوسنين: «لا تحكم أحكامًا تقديرية على الانتحار، مثل: كان اختيارًا أنانيًا، أو خطيئة، أو تصرفًا ضعيفًا، أو نقص إيمان أو حب أو قوة».

تستعين الكاتبة للاستدلال على مدى أذى الكلمات التي يسمعها الشخص المكلوم، بجزءٍ من مقال لترايسي روبرتس – وهي كاتبة أقدمت أختها على الانتحار – كتبت بعدها مقالًا بعنوان: «آداب الانتحار: بعد أن قتلت إيمي نفسها»: «قال أحدهم بهدف تهدئتي: «الانتحار هو أجبن طريقة للنجاة»، هذا الكلام، بالإضافة لكونه بديهة تافهة، يحمل إدانة للأخت التي كنت أنتحب عليها. كيف يفترض أن يواسيني ذلك؟».

أما كاتبة المقال نفسها، فكان لديها أيضًا أشخاصٌ يُردِّدون أمورًا مشابهة على مسامعها، ورغم إدراكها أن تعليقاتهم تُقال بنيةٍ حسنة، جعلتها هذه الأحكام تشعر بأنها في موقفٍ دفاعي؛ ما جعلها أكثر قلقًا وفجعة.

تقترح بوسنين أيضًا، وفقًا للكاتبة، ألا تفترض في مواساتك مدة زمنية لحزن الناجين، وتقول: «الاستشفاء من خسارة شخص لصالح الانتحار رحلة حياة». تعليقات مثل: «سيمر هذا كله»، و«عليك تخطي الموقف» يمكن أن تجعل الناجي يشعر أنه مُعرَّضٌ للضغط من أجل «تجاوز الموقف».

تُقدِّم الجمعية الأمريكية للحد من الانتحار نصيحةً مماثلة في ما يتعلَّق بالحديث مع شخصٍ انتحر أحد أحبائه. وإحدى النصائح التي تفضلها الكاتبة تقول: «لا تلمح أو تلقي باللوم».

وتقتبس أيضًا: «الناجون الذين خسروا أحد أحبائهم يلقون غالبًا باللوم على أنفسهم. احذر أن تقول شيئًا أو تسأل سؤالًا يوحي أنهم مسئولون عن الانتحار، سواء بشكلٍ مباشر أو غير مباشر».

Embed from Getty Images

كلماتٌ قد تساعد

لامت الكاتبة نفسها لسنواتٍ على انتحار أمها، متسائلةً إن كان هناك ما أمكنها فعله أو قوله للوصول لنتيجة أخرى. لم يتغيَّر الأمر إلا حين ترك أحد طلابها البالغين في دورة الكتابة ورقة مطوية على مكتبها تقول: «لم تكن غلطتك»، حينها فقط بدأت تتحرَّر من شعورها بالذنب.

قد يصعب معرفة ما يجب قوله لشخصٍ فقد أحد أحبته منتحرًا، لكن التواصل في رأي الكاتبة أفضل بكتير من الامتناع عن الكلام خوفًا من قول شيء خاطئ. ملحوظة أو إشارة بسيطة قد تصنع فرقًا عظيمًا. عبارة «لم تكن غلطتك» هي ما يحتاج العديد من الأشخاص الذين فقدوا أحبتهم منتحرين سماعها مرارًا وتكرارًا، بالإضافة إلى «لست وحدك».

ربما يشعر الذين فقدوا أحبتهم بالوحدة في حزنهم، لكن الحقيقة هي أنهم ليسوا وحيدين، فبحسب ما ذكرت الكاتبة، يحتل الانتحار المركز العاشر في مُسبِّبات الوفاة في الولايات المتحدة الأمريكية، وتُقدِّر منظمة الصحة العالمية عدد المنتحرين عالميًا بمليون شخص كلَّ عام. أعظم هدية يمكنك تقديمها لهؤلاء هي حضورك.

لا تخشى كذلك أن تذكر اسم الشخص المتوفي، أو تشارك ذكرياتك معه، أو تخلق مساحةً لمن فقده ليشارك ذكرياته، ويُخلِّد حياة من يحبه. اسمح للشخص المكلوم أن يقول ما يحتاج لقوله ويشعر بما يحتاج أن يشعر به.

تقترح بوسنين كذلك: «استمع إليهم بقلبك، وأمسك أياديهم، وانظر في أعينهم، دعهم يعرفون أنك تشعر بألمهم». قد يبدو قولك أنك تشعر بألم شخص ما مشابهًا لـ«أتفهم ما تمر به» لكن هذه الكلمات تقبل تعقيد تجربة الشخص الذي فقد أحد أحبائه، إنها تعني «أنا أفهمك وأدعمك»، و«نحن نمر بهذا معًا».

«سياحة الموت».. دول تعطي حق الانتحار داخل حدودها

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد