نشر موقع «رسبونسيبل ستيتكرافت» مقالًا لميدي بنجامين، ناشطة حقوق إنسان أمريكية وكاتبة سياسية، وأرييل جولد، المديرة المشاركة لمنظمة كودبنك أو «نساء من أجل السلام» والخبيرة في الشؤون السياسية للشرق الأوسط، حول تجميد أموال أفغانستان في الولايات المتحدة والمؤسسات المالية الدولية.

وتنادي الكاتبتان بضرورة الإفراج عن هذه الأموال؛ حيث إن الشعب الأفغاني هو الذي يعاني من تدهور مؤسساته التعليمية والصحية، ولا يجد 90٪ من أفراده ما يكفي من الطعام، موضِّحتَيْن أن هناك نفاقًا غربيًا بالإصرار على تعليم النساء في وقت يقف فيه الغرب حاجزًا ضد دفع رواتب المعلمين.

وتستهل الكاتبتان مقالهما بالإشارة إلى أنه في الشهر الماضي وافق صندوق النقد الدولي على تخصيص مبلغ تاريخي بقيمة 650 مليار دولار من حقوق السحب الخاصة للمساعدة في تحريك النظام الاقتصادي العالمي المتضرر بشدة من فيروس كورونا. وخصص صندوق النقد الدولي 450 مليون دولار من هذا المبلغ لأفغانستان، وهو بلد ينهار اقتصاده ويحتاج بشدة إلى ضخ الأموال.

دولي

منذ شهر
«الإندبندنت»: هل ينهار الاقتصاد الأفغاني في ظل حكم طالبان؟

لكن فرينش هيل النائب الجمهوري عن ولاية أركنسو حشد 17 من زملائه الجمهوريين لكتابة رسالة إلى وزيرة الخزانة جانيت يلين تحثَّها على التدخل لدى صندوق النقد الدولي «لضمان عدم توفير حقوق السحب الخاصة المخصصة لأفغانستان في ظل قيادة طالبان». وامتثل صندوق النقد الدولي لمطلبهم بسرعة.

وهذا جزء من جهد أكبر لحرمان طالبان من الأموال. وعندما انسحبت الولايات المتحدة من أفغانستان في نهاية أغسطس (آب)، جمَّدت واشنطن 9.5 مليار دولار من أصول البنك المركزي الأفغاني. وعلَّق البنك الدولي صرف الأموال من خلال الصندوق الاستئماني لتعمير أفغانستان. وبالنظر إلى أن المساعدات الخارجية لأفغانستان بلغت في السابق حوالي 8.5 مليار دولار سنويًّا – ما يقرب من نصف الناتج المحلي الإجمالي للبلاد – كان تأثير تجميد هذه الأموال كارثيًّا.

ذريعة لعدم التعاون مع طالبان

تقول الكاتبتان: ولكي نكون واضحتين، هناك ذريعة وجيهة لعدم التعاون مع طالبان. ومنذ وصولها إلى السلطة، قالت طالبان إنها ستسمح للفتيات بالذهاب إلى المدرسة. لقد أوفُوا بوعدهم فيما يتعلق بالمدارس الابتدائية، ولكن في معظم أنحاء البلاد، تُحرَم الفتيات من الدراسة من الصف السابع إلى الصف الثاني عشر.

Embed from Getty Images

ومعظم الفتيات المسجَّلات في الجامعات العامة لم يحضرن الفصول الدراسية بسبب الخوف أو إلغاء الدراسة أو القيود التي تفرضها طالبان. وعلى الرغم من إصرار المتحدثين باسم طالبان على أنه يمكن للمرأة أن تستمر في العمل، إلا أن هناك تقارير متكررة عن مسلحي طالبان الذين يأمرون النساء بمغادرة أماكن عملهن، وحرمانهن من حرية الحركة خارج منازلَهن، وفرض قواعد لباس إلزامية صارمة عليهن، وعدم السماح لهن بالاحتجاج السلمي.

وتشير الكاتبتان إلى أنه وفقًا لمنظمة العفو الدولية، يضطهد أعضاء طالبان الصحافيين ويهددون سلامة المدافعين عن حقوق الإنسان. وفي 30 أغسطس، قتلت قوات طالبان 13 من عِرقية الهزارة. وبحسب ما ورد، كان أحد عشر شخصًا منهم جنودًا حكوميين سابقين استسلموا، وكان الشخصان الآخران، بمن فيهما فتاة تبلغ من العمر 17 عامًا، من المدنيين الذين كانوا يحاولون الفرار من المنطقة عندما فتحت طالبان النار عليهم.

وفي حين ينبغي أن نشعر جميعًا بالغضب إزاء الانتهاكات وتدهور الحقوق التي يعاني منها الأفغان، إلا أن تجميد الأموال الأفغانية يفاقم معاناة الضحايا. إن تجميد الأموال بمثابة انتزاع الطعام من أفواه الأطفال، إنه تعريض حياة الملايين للخطر.

الاقتصاد والخدمات في حالة توقف

ولفتت الكاتبتان إلى أنه في الوقت الحالي، يُعد اقتصاد الأمة والخدمات العامة في حالة توقف، فقد نفدت أموال البنوك، ولم تُدفَع رواتب موظفي الخدمة المدنية، وارتفعت أسعار المواد الغذائية إلى عنان السماء. فلنفكر في هذا لوهلة: يُقدِّر برنامج الغذاء العالمي أن 93٪ من الأفغان لا يحصلون على ما يكفي من الغذاء ليأكلوه.

وليس هناك أموال يمكن إنفاقها على المدارس. ويوجد حوالي 220 ألف معلم في أفغانستان، ومنذ يونيو (حزيران) لم يحصل معظمهم على رواتبهم. وفي 6 أكتوبر (تشرين الأول)، وجَّهت جمعية المعلمين الأفغان المكونة من 45 ألف عضو نداءً عاجلًا من أجل لَفْت الانتباه إلى وضعهم المزري. وقالت الجمعية في النداء إن: «وزارة التربية والتعليم لديها موارد قليلة للغاية، ومن الصعب أن نطلب من معلمينا الاستمرار في العمل دون رواتب.

Embed from Getty Images

وكثير منهم هم العائل الوحيد لأسرهم، وهم يعانون حقًا. وسيكون من الصعب استمرار فتح المدارس إذا لم يكن لدينا أموال». كيف يمكننا الإصرار على أن تفتح طالبان جميع المدارس أمام الفتيات، ثم ترفض دفع رواتب المعلمين؟

الرعاية الصحية على وشك الانهيار

وألمحت الكاتبتان إلى أن نظام الرعاية الصحية في البلاد على وشك الانهيار. وهناك حوالي 15 بالمئة فقط من أكثر من ألفي مرفق صحي في البلاد هي التي تعمل ومعظم العاملين الذين يعملون يقومون بذلك على أساس تطوعي. وإذا لم يُفرَج عن الأموال من أجل دفع الرواتب والإمدادات، فإن الهجرة الجماعية للعاملين في مجال الرعاية الصحية باتت وشيكة.

وقال كاني ويناراجا، مدير منطقة آسيا والمحيط الهادئ في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي: إن «هناك خطرًا يتمثل في أن الشعب الأفغاني لن يحصل فعليًّا على خدمات الصحة الأولية». وأعلن صندوق الأمم المتحدة للتنمية مؤخرًا أنه سيبدأ في دفع الرواتب في الحسابات المصرفية لآلاف الأطباء والممرضات مباشرةً، للتحايل على الحكومة المركزية. وفي حين أن هذا تطور مرحَّب به، إلا أنه لا يكفي لإحياء نظام الرعاية الصحية في البلاد بأكمله.

وينطبق الشيء نفسه على الإغاثة الإنسانية. إنها أمر بالغ الأهمية ولكنها ليست حلًّا. وفي 12 أكتوبر أعلن الاتحاد الأوروبي عن حزمة مساعدات بقيمة 1.2 مليار دولار، وقال وزير الخارجية أنتوني بلينكين إن الولايات المتحدة ستقدِّم مزيدًا من المساعدات الإنسانية (على الرغم من أن تعهده الزهيد البالغ 64 مليون دولار لا يعدو أن يكون حوالي خُمْس الثلاثمائة مليون دولار التي كانت الولايات المتحدة تنفقها في اليوم الواحد على مدار 20 عامًا من احتلالها لأفغانستان). وسيكون من المستحيل تقريبًا توزيع هذه المساعدات توزيعًا فعَّالًا، بينما تظل البنوك الأفغانية خاضعة لعقوبات الولايات المتحدة والأمم المتحدة؛ إذ تقف هذه البنوك مكتوفة الأيدي وعاجزة عن الوصول إلى الدولارات المادية.

إننا نتفهَّم المخاوف الخطيرة بشأن آليات الدفع، بما في ذلك عدم الرغبة في تقوية طالبان أو تسهيل هذا النوع من الفساد الذي كان موجودًا في ظل الحكومات السابقة. وتختبر وكالات الأمم المتحدة خياراتٍ واعدة فيما يتعلق بالدفع المباشر للعاملين في الخدمة العامة. ولكن إذا ما كان للنظام المصرفي والوزارات الرئيسة أن تقوم بعملها، فإن المعارضة الدوجمائية لأي تعاون مع طالبان ستؤدي إلى نتائج عكسية.

المجاعة والموت وانعدام الاستقرار

ونوَّهت الكاتبتان إلى أن الشتاء القارس على الأبواب، ومن دون تحرك سريع، فسيكون هناك مجاعة وموت وبلد غير مستقر مهيأ لنشوب حرب أهلية. وستجد الجماعات (الإرهابية) مثل القاعدة و«داعش» أرضًا خصبة فسيحة لتتحرَّك عليها.

Embed from Getty Images

وسيحاول الملايين من الأفغان اليائسين الفرار من البلاد مما يعرِّضهم للوقوع فريسة في أيدي مهرِّبين مفترسين، وإطلاق العنان لسَيْل متجدد من اللاجئين الذين يفرِّون إلى البلدان المجاورة وأوروبا، ويمكن أن ينافس ذلك أزمة اللاجئين السوريين عام 2015. وقالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل للصحفيين في اجتماع مجموعة العشرين الأخير «أن تقف متفرجًا تشاهد 40 مليون شخص يغرقون في الفوضى… لا يمكن ولا ينبغي أن يكون هذا هو هدف المجتمع الدولي».

وتختتم الكاتبتان مقالها بالقول إنه بعد 20 عامًا من العمليات العسكرية التي بدَّدنا خلالها أكثر من 2 تريليون دولار وقتلنا عشرات الآلاف من الأفغان، يجب على الولايات المتحدة ألا تنتقم من الشعب الأفغاني بسبب سياسات حكامهم الرجعيين الكارهين للمرأة. ونحن في الغرب، الذين ندافع عن حقوق الإنسان، يجب أن نعترف بأولوية الحق في تناول الطعام. ويجب أن نتعامل مع التعقيدات في أفغانستان اليوم وأن نصبح مدافعين أقوياء عن الإفراج عن الأموال التي تحتفظ بها الآن البنوك الأجنبية والمؤسسات الدولية، وهي أموال مملوكة بحق للشعب الأفغاني.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد