قال المحلل الأمريكي جون ألترمان – مدير برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، وعضو لجنة السياسات الأمريكية الأسبق– في مقال على موقع «ديفنس وان» إن أكثر من شهرين مضيا على مستوى للتضامن الدولي غير المسبوق بشأن الغزو الروسي لأوكرانيا. ثم صوت أكثر من 140 دولة لصالح قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الداعي إلى إنهاء الهجوم الروسي، مع امتناع 35 دولة عن التصويت. قد يعتقد مراقب غير رسمي أن التصويت دليل على أن النظام الدولي القائم على القواعد (نظام دولي ذو شرعية) والذي كانت أمريكا ترعاه لمدة 75 عامًا قوي وبحالة جيدة، ولكن الأمر ليس كذلك.

بيد أن أزمة أوكرانيا تعد (تحذيرًا صارخًا) لسياسات أمريكا الخارخية كما يصف ألترمان؛ من أن النظام الدولي للاستثمارات الأمريكية في الشراكات الدولية لم يترك الأثر المرجو منه. فقد أنفقت الولايات المتحدة تريليونات على هذه الاستثمارات من أجل حصد الدعم، ولكن بالنسبة لمعظم العالم، فإن قرارت دعم الولايات المتحدة أو بعض مظاهر القانون الدولي أيضًا غير موجودة كما يرى الكاتب. يكاد يكون الدعم الدولي للعقوبات على روسيا غير موجود خارج أوروبا وشمال شرق آسيا، أما خارج تلك المناطق، فلا توجد رغبة في اتخاذ أي إجراءات أخرى للتأثير في روسيا، كما يصف الكاتب رؤيته الأمريكية للأمر.

سياسة

منذ 3 شهور
مترجم: بين عودة بريطانيا وتبعية أوكرانيا.. رؤية ماكرون «الارتجالية» لأوروبا بلا إطار

ووفقًا لما يرى الكاتب، يعد الشرق الأوسط أبرز هذه الأماكن التي تخلو من (دعم قرارات العقوبات على روسيا)، فبينما لدى الولايات المتحدة عدد قليل من الحلفاء الرسميين في الشرق الأوسط، شهدت المنطقة معظم التدخلات العسكرية الأمريكية في نصف القرن الماضي. ودفع الوجود السوفيتي آنذاك الجهود الأمريكية المبكرة إلى وجودها الإقليمي، حيث سعت الولايات المتحدة إلى عرقلة الجهود السوفيتية للوصول إلى النفط والمياه الدافئة (موانئ إستراتيجية لا تتعطل مع برد الشتاء القارس) في الشرق الأوسط.

وبعد زوال الاتحاد السوفيتي، تحول الكثير من تركيز الولايات المتحدة نحو جهد  لتعزيز الاستقرار. مثَّل تأمين تدفقات الطاقة العالمية وردع إيران وحماية الجيران من الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين جانبًا واحدًا من المعادلة، في حين مثلت حماية الحكومات الإقليمية من التهديدات الإرهابية العابرة للحدود الجانب الآخر.

Embed from Getty Images

كان الجهد المستمر هو إحاطة المنطقة بنظام قائم على القواعد بقيادة الولايات المتحدة. كرست الولايات المتحدة لعقود الدم والمال في السعي لتحقيق هذا الهدف. ومع ذلك، في خضم الغزو الروسي لأوكرانيا، لم يعد يرى شركاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط الكثير من القبول في تعزيز النظام القائم على القواعد الذي بررت به الولايات المتحدة جهودها في المنطقة سابقًا. بدلًا من ذلك، فإنهم يتهربون من اختيار طرف في منافسة قوة عظمى، بحجة أن مصالحهم الاقتصادية والأمنية مع روسيا تحول دون تحالفهم مع الولايات المتحدة.

أمريكا وأسباب الحياد

يجادل البعض – وفقًا لوصف الكاتب- بأن هذا كله هو رد على حرب العراق التي لم تهتم إلا قليلًا بالشرعية، ويجادل آخرون بأنه انتقام لمقاربة إدارة بايدن التي يفترض أنها هادئة تجاه إيران، أو لنهجها المتشكك في الحقوق الفلسطينية. وعلى الأرجح، فإنه يعكس الاعتقاد بأن الولايات المتحدة قوة متراجعة في المنطقة. وفقًا لهذا المنظور، تشعر الحكومات في الشرق الأوسط بأن الولايات المتحدة لن تتخلى عنها (بمعنى قطع العلاقات أو تجميدها) بدافع النكاية، وأنه لا يُعدُّ منطقيًّا استمرار أن يعتد التزام الولايات المتحدة نحوهم على كيفية تعاملهم مع روسيا.

ويرى ألترمان أنه بالنسبة لصانعي السياسة في الولايات المتحدة، لا بد أن يتنبهوا لهذا المنهج من قبل حكومات الشرق الأوسط، وأنه لا ينجح دائمًا. فمثلًا الفكرة السائدة في عقيدة الساسة الأمريكيين أنه سوف يكون هناك دعم واسع النطاق لنظام تقوده أمريكا وقائم على القواعد (نظام دولي ذو شرعية) هو أصل الكيفية التي ترى بها الولايات المتحدة نفسها في مواجهة التحديات الدولية الكبرى، مثل التحدي الآتي من الصين على سبيل المثال، هذا المثال السابق – لاعتقاد أمريكا أنها ستحصل على الدعم من خلاله- يبدو غير فعال الآن.

ومع ذلك، بالنسبة لمعظم دول العالم، بما فيها التي كانت قريبة من أمريكا لعقود من الزمان، فإن الحفاظ على سيادة القانون في أوكرانيا لا يثير قلقهم كثيرًا. سوف سوف تسعى أغلب حكومات الشرق الأوسط إلى تعزيز علاقتهم الثنائية مع الولايات المتحدة، لكن يجب أن تفهم الحكومة الأمريكية أن تلك الدول ليس لديها مصلحة في الانحياز إلى جانب في صراعات القوى العظمى، ولا يشعرون بالحاجة إلى فعل ذلك.

الصين في الشرق الأوسط الصين والأزمة الروسية الأوكرانية

ووفقًا للكاتب: من البديهي القول إن الصين هي نوع مختلف تمامًا من القوة العظمى ونوع مختلف من المنافسين، عن روسيا. إن علاقات الصين الاقتصادية مع معظم دول العالم – بما في ذلك أمريكا – تقزم العلاقات التي تربطها بروسيا. مع استثناءات قليلة في شمال شرق آسيا، يبدو الخوف من التهديد الروسي بدلًا من التقارب مع الولايات المتحدة تفسيرًا أفضل لسبب اصطفافهم ضد العدوان الروسي. كلما ابتعدت الدول الأخرى عن روسيا، قل اهتمامها.

وهذا يثير سؤالًا خطيرًا للغاية ووفقًا للكاتب: هل هناك أي سبب للاعتقاد بأن العالم سيصطف مع الولايات المتحدة في أي نزاع مستقبلي مع الصين؟

تُمثل اللامبالاة العالمية تجاه تصرفات روسيا في أوكرانيا انتصارًا للدبلوماسية الصينية، التي تجادل بأن الدول لا تحتاج إلى الاختيار بين العلاقات الوثيقة مع الولايات المتحدة ومنافسيها من القوى العظمى. إن اعتقاد الولايات المتحدة أن ثلاثة أرباع قرن من القيادة العالمية ستمنحها ميزة في المواجهة مع الصين هو على الأرجح خطأ، ومواقف دول الشرق الأوسط تجاه أزمة أوكرانيا مؤشر كاشف. ستظل القوتان النارية والاقتصادية مهمتين في القتال، ولكن من المرجح أن يظل بعض أقرب أصدقاء واشنطن بعيدين عن المعركة.

إذا أخذنا نظرة طويلة إلى الماضي، لوجدنا أن العالم كان يتنقل دائمًا بين فترات النظام والحرب، وأن النظام النسبي لعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية قد أخذ مجراه. يمكن للمرء أن يرى هذا بشكل ضيق، علامةً على عدم اليقين في العالم من أن الولايات المتحدة لا تزال ملتزمة بالحفاظ على نظام عالمي. كما يمكن للمرء أن يرى على وجه التحديد أن البلدان التي لديها جيران أكثر قوة بحاجة إلى معايرة أفعالهم بعناية.

ويضيف الكاتب: يمكن القول بأن كُلًّا من الانقسام الداخلي الأمريكي بشأن الحرب في أوكرانيا، وعدم الاهتمام العام في العالم بهذه الحرب، مؤشر على شكوك أعمق بكثير تجاه قدرة أمريكا على  قيادة العالم. إذ بدا واضحًا أن أمريكا قد حصلت على الدعم الدولي فقط عندما اعتقدت تلك البلدان الداعمة أنه من مصلحتها المباشرة في فعل ذلك، فنحن في عالم مختلف كثيرًا عما اعتقدناه وفقًا لما يختم الكاتب.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد