نشرت صحيفة «واشنطن بوست» تحليلًا لدانيا ظافر، المديرة التنفيذية لمنتدى الخليج الدولي، وهو معهد يركز على الديناميكيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية لدول مجلس التعاون الخليجي والعراق وإيران واليمن، حول انتخاب المجلس التشريعي القطري الجديد. وترى الكاتبة أن البرلمان القطري يقف في منطقة وسط بين مجلس الأمة الكويتي، الذي يتمتع بسلطة عزل الوزراء، ومجالس دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى التي لا تحظى سوى بسلطة هامشية للغاية. بيد أن مسألة المجالس التشريعية في دول الخليج بصفة عامة لا تعدو أن تكون طلاءً يغلفون به استبدادهم، بحسب الكاتبة.

وتستهل الباحثة تحليلها قائلة: في 2 أكتوبر (تشرين الأول)، أجرت قطر أول انتخابات لمجلس الشورى، لتصبح خامس دولة في مجلس التعاون الخليجي تجري انتخابات لبرلمان وطني. وصوَّت عديد من القطريين على أساس الانتماءات القبلية والعائلية، حيث شارك 63.5% من الناخبين المؤهلين للتصويت للاختيار من بين 233 مرشحًا، من بينهم 26 امرأة.

عربي

منذ شهرين
«فوربس»: كيف استغلت قطر ثروة الغاز لتصبح أقوى دبلوماسيًّا في المنطقة والعالم؟

من فاز وماذا يحدث الآن؟ حتى الآن، المجلس مؤلف من الرجال فقط، حيث فاز المرشحون الذكور بالثلاثين مقعدًا المنتخبة في الدائرة الفردية. وعديد من المنتخبين الجدد من النخبة التجارية ومسؤولين حكوميين متقاعدين رفيعي المستوى. وسيعيِّن أمير قطر، الذي كان في السابق يعيِّن جميع المشرعين، الأعضاء الخمسة عشر الباقين، مما قد يغير توزيع الجنس والتوزيع الديموجرافي للمجلس النهائي.

وترى الكاتبة أن الانتخابات مثَّلت الخطوة الرئيسة الأولى لمشاركة سياسية أوسع في قطر، ويحتفظ مجلس الشورى بسلطات تشريعية قوية نسبيًّا، موازنةً بما هو قائم في ملكيات الخليج العربي الأخرى. ويبقى أن نرى كيف ستتغير الثقافة السياسية المنخفضة المستوى في قطر، أو ما الدور الذي سيؤدِّيه المجلس في صنع السياسة القطرية.

قطر في المنتصف

تشير الكاتبة إلى أن المجالس التشريعية لدول مجلس التعاون الخليجي قد تبدو متشابهة، لكن قوتها الدستورية يمكن أن تختلف. ويبدو أن مجلس الشورى في قطر يتمتع بسلطات تشريعية قوية إلى حد ما، مما يضعه في منتصف الطريق بين البرلمان الكويتي الذي غالبًا ما يصل إلى طريق مسدود، والمجالس النيابية الأخرى في مجلس التعاون الخليجي التي تتمتع بسلطة تشريعية هامشية.

وتوضح الكاتبة أن هناك عددًا من العوامل التي يمكن أن تكون مؤشرات على سلطة البرلمان: حصة الأعضاء المنتخبين، واستقلالية المجلس في التشريع، والقدرة على إجراء تصويت بحجب الثقة عن وزراء الحكومة، ونسبة الأعضاء المنتخبين في مقابل الأعضاء المعينين في البرلمان.

Embed from Getty Images

وتُعد نسبة المشرِّعين المنتخبين في مقابل المعينين أحد المؤشرات الرئيسة على قوة البرلمان – وذلك لأن وجود مزيد من المعينين يعني أن مشروع القانون سيتطلب على الأرجح مزيدًا من تأييد الحكومة لتمريره. ومن بين مجالس دول مجلس التعاون الخليجي، نجد أن مجلس الأمة الكويتي يضم أقل نسبة من المقاعد المعيَّنة بنسبة تصل إلى 23%، بينما يقف مجلس الشورى السعودي في الطرف الآخر من الطيف، حيث تُعد جميع المقاعد بالتعيين. وينقسم المجلس الوطني البحريني ومجلس عمان والمجلس الوطني الاتحادي بالإمارات بشكل متساوٍ بين المشرِّعين المنتخبين والمعيَّنين. وتقف قطر في المنتصف، بانتخاب ثلثي الأعضاء وتعيين الثلث الآخر.

وتمضي الكاتبة إلى أن درجة استقلالية الهيئة التشريعية في التشريع ترتبط بسلطتها الدستورية في تمرير القوانين، والأهم من ذلك، ممارسة تلك السلطة في عرقلة مشروعات القوانين. وطالما تمتع مجلس الأمة الكويتي بسلطة دستورية في تمرير التشريعات وعرقلتها. وعرقل مجلس الأمة عددًا من التشريعات التي بادرت بها الحكومة، وأبرزها محاولات الحكومة لكسب المشاركة السياسية للمرأة.

وإذا كان دستور دولة ما يسمح للبرلمان بعرقلة التشريعات، فمن غير المرجح أن يحدث ذلك في البرلمانات التي يكون فيها نصف الأعضاء أو أكثر معيَّنين بصفتهم موالين للحكومة. على سبيل المثال، وفقًا للمادة 85 من دستور البحرين، إذا اختلف مجلس الشيوخ المعيَّن ومجلس النواب المنتخب، فإن الإجراء يتطلب تصويت الأغلبية من المجلسين من أجل تمريره. وهذا يجعل عرقلة التشريعات غير مرجح إلى حد كبير إذا كان نصف الأعضاء المصوِّتين من المضمون أنهم سيقفون في صف الحكومة.

سلطة المجلس التشريعي القطري أكبر من نظيره البحريني

تلفت الكاتبة إلى أنه من الناحية النظرية، يبدو أن مجلس الشورى القطري المؤلَّف من 45 مقعدًا، والذي يضم 30 مقعدًا منتخبًا، يتمتع بمزيد من السلطة عن المجلس التشريعي البحريني في تحقيق تصويت الأغلبية لعرقلة التشريعات. وذلك لأن الحكومة يجب أن تؤمن أصوات ما لا يقل عن ثمانية أعضاء منتخبين لترجيح كفة الميزان لصالحها. ووفقًا لهذا المعيار، تتمتع الهيئات التشريعية في الإمارات والسعودية وسلطنة عمان بمقدار هامشي من الاستقلال الذاتي، هذا إن وجد. 

Embed from Getty Images

ومن خلال إحداث ثقافة سياسية تدفع الوزراء للعمل على نحو أوثق مع هيئة تشريعية منتخبة، تُعد سلطة عزل الوزراء مؤشرًا آخر على قوة السلطة التشريعية. وتستطيع الهيئات التشريعية في الكويت والبحرين وقطر الدعوة إلى تصويت بالثقة لعزل الوزراء – يُعد البرلمان الكويتي رائدًا في استخدام سلطته لإقالة الوزراء بتصويت أغلبية من أعضائه الخمسين المنتخبين، حيث يستلزم البرلمان البحريني تصويت ثلثي الأعضاء في مجلس النواب المنتخب.

وترى الكاتبة في المحصلة النهائية أن عزل وزير قطري يتطلب تصويت ثلثي أعضاء الهيئة التشريعية الكاملة المكونة من 45 مشرِّعًا. وتتطلب أي محاولة لإقالة وزير في قطر الحصول بالفعل على دعم جميع الأعضاء المنتخبين، وهو سيناريو محتمل ولكنه غير مرجح، بحسب رؤيتها. أما في عمان والإمارات والسعودية، فيمكن للمجالس التشريعية استدعاء الوزراء لكن لا يمكن عزلهم.

وكما أشار المحللون، تمتلك حكومات دول مجلس التعاون الخليجي عديدًا من الطرق الإبداعية لتغليف الاستبداد بقشرة من السياسات التشاركية. ولديهم عدة طرق للتأثير في النتائج الانتخابية: قيود الأهلية فيما يتعلق بمن يمكنه الترشح لمقعد أو حتى الإدلاء بصوته، وهندسة الدوائر الانتخابية، بالإضافة إلى مجموعة السياسات المحددة التي تتمتع الهيئات التشريعية بسلطة معالجتها.

البرلمان سيركز على السياسات الحكومية العامة

ومع انعقاد مجلس الشورى في قطر، سيكون من المثير للاهتمام أن نرى كيف ستُحدِث السلطة التنفيذية توازنًا بين سلطتها وسلطة الهيئة التشريعية الجديدة. ويبدو أن البرلمان القطري سيركز أكثر على السياسات الحكومية العامة بدلًا من القضايا المتعلقة بالأمن أو تؤثر في القدرة الاقتصادية لدولة قطر. وقد ينظر البعض إلى ذلك على أنه وسيلة لتجنب اختلال عملية صناعة السياسة في الكويت، في حين أن البعض الآخر قد ينظر إلى هذا النهج على أنه آلية للحد من السلطة التشريعية.

Embed from Getty Images

وقد يكون النقاش حول المواطنة الشاملة حالة اختبار مبكرة للبرلمان القطري. وقد أثار قانون الانتخابات الصادر في يوليو (تموز) خطابًا وطنيًّا مكثفًا وواسع النطاق حول مَنْ يحق له التصويت ومَنْ يحق له الترشح للمناصب. ونص القانون الجديد على منح حق التصويت للقطريين الذين يحملون الجنسية «الأصلية» أو مَنْ وُلِد جدهم في قطر. غير أنه من أجل الترشح لمنصب، يتعين اعتبارهم قطريين «أصليين». وبحسب تفسيرات الدستور وقانون الجنسية لعام 2005، يقتصر هذا التصنيف على مَنْ هم من نسل القطريين الذين عاشوا في البلاد قبل عام 1930 واستمروا في العيش فيها. ويطعن المواطنون القطريون الذين لا يستوفون هذه المعايير في هذا التعريف الإقصائي.

وتختتم الباحثة تحليلها بالإشارة إلى أن إنشاء هيئة تشريعية منتخبة في قطر يُعد علامة فارقة على صعيد المشاركة السياسية. ويمكن أن تكون هذه الخطوة بوابة لتطور الثقافة السياسية للبلاد؛ مما يوفر فرصة للمواطنين لتحقيق المزيد من علاقة الاعتماد المتبادل مع حكومتهم.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد