يُشكِّل زوال أحزاب يسار الوسط في جميع أنحاء أوروبا تحذيرًا للديمقراطيين الأمريكيين الذين يركزون على القضايا الثقافية الخلافية بدلًا عن القضايا الاقتصادية الجوهرية، حسب ما تخلص إليه شيري بيرمان، أستاذة العلوم السياسية في كلية بارنارد بجامعة كولومبيا، في مقالٍ نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية.

تستهل الكاتبة مقالها بالإشارة إلى أن أداء الحزب الديمقراطي في مختلف المستويات في انتخابات عام 2020 كان أقل مما توقعه كثيرون، على الرغم من فساد إدارة ترامب، وتعاملها غير الكفء مع جائحة فيروس كورونا المستجد، والسياسات المثيرة للانقسام العِرقي.

خسارة ناخبي الطبقة العاملة وغير الجامعيين

وأوضحت الكاتبة أن نتائج الانتخابات الأمريكية أعادت تركيز الانتباه على التحديات السياسية التي يواجهها الحزب الديمقراطي، وفي قلبها خسارته على المدى الطويل للناخبين البيض من الطبقة العاملة غير الحاصلين على تعليم جامعي، والذين يشكلون 42% من الناخبين وكانوا أهم جمهور انتخابي لدونالد ترامب.

ينظر كثيرون إلى سلوك الناخبين البيض من منظور التاريخ الخاص بالولايات المتحدة، والذي يمكن من خلاله الفهم على نحو أفضل أسباب تخلي الناخبين البيض عن الحزب الديمقراطي وتبني سياسات ترامب، وكما صاغ ذلك فان آر. نيوكيرك الثاني، باعتباره «تجسيدًا لنصف قرن من ردود الفعل العكسية» ضد السياسات التي كافح مارتن لوثر كينج من أجل سَنِّها.

دولي

منذ شهر
«فورين بوليسي»: هل تنجح أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا في تشكيل جبهة موحدة؟

ومهما كان تاريخ الولايات المتحدة مميزًا ومفزعًا في كثير من الأحيان، فإن ابتعاد الناخبين البيض من الطبقة العاملة وغير الجامعيين عن اليسار ونجاح اليمين القومي المُعادي للأجانب وغير الليبرالي ليست ظواهر أمريكية فريدة، فقد حدثت تطورات مماثلة على مدى العقود الماضية في كل البلدان الأوروبية تقريبًا، الأمر الذي يشير إلى أن بعض العوامل الأوسع نطاقًا والعابرة للقوميات هي المسؤولة جزئيًّا على الأقل.

ومن بين الأمور التي حظيت باهتمام خاص في الولايات المتحدة بعد انتخابات عام 2020 ما أشار إليه مؤخرًا عالم الإستراتيجية الديمقراطي جيمس كارفيل باعتباره مشكلة «وعي» اليسار (حالة الوعي بالمشاكل الاجتماعية مثل العنصرية). فعلى مدى السنوات العديدة الماضية، أدَّى التركيز النسبي من جانب الحزب الديمقراطي والأحزاب اليسارية الرئيسة في أوروبا على القضايا الثقافية في مقابل الاقتصادية إلى خلق فجوة بينها وبين الناخبين من الطبقة العاملة وغير الجامعيين.

Embed from Getty Images

ولفتت الكاتبة إلى أنه من الصعب شرح المشكلات التي تواجه الأحزاب اليسارية السائدة حاليًا على جانبي المحيط الأطلسي دون فحص ملامحها المتغيرة على مدى العقود القليلة الماضية.

وخلال عقود ما بعد الحرب، حصلت الأحزاب اليسارية السائدة في أوروبا باستمرار على دعم الأغلبية العظمى من أصوات الطبقة العاملة. وعلى الرغم من أن هذه الأحزاب تتمتع دومًا بدعم الناخبين من خارج الطبقة العاملة، فإنها تقدم نفسها عمومًا باعتبارها نصير العمال والمحرومين وتؤيد سياسات العدالة الاجتماعية.

يسار النخبة

وأضافت الكاتبة أنه وكما هي الحال في الولايات المتحدة، بدأت أنماط التصويت في أوروبا في التحول في سبعينيات القرن العشرين، وتخلى الناخبون من الطبقة العاملة تدريجيًّا عن الأحزاب اليسارية السائدة. واليوم، لا تشكل الأحزاب العمالية والديمقراطية الاجتماعية في المقام الأول أحزابًا للطبقة العاملة، بل إنها تشكل بالأحرى أحزابًا لما أشار إليه توماس بيكيتي بـ«اليسار البراهمين» (يسار النخبة المتعلمة)، الذي يقوده ويدعمه ناخبو المدن الحضرية المتعلمين تعليمًا عاليًا.

وهذا مماثل بطبيعة الحال للحالة الأمريكية المعاصرة: على الرغم من أن الديمقراطيين فقدوا تأييد أغلبية ناخبي الطبقة العاملة البيض، يتمتع الحزب في الوقت الحالي بدعم أغلبية من ناخبي المناطق الحضرية الجامعيين.

ونوَّهت الكاتبة إلى أن علماء السياسة الأوروبية وجدوا باستمرار في دراساتهم لدعم هذه الأحزاب أن الأراء بشأن الهجرة والهوية الوطنية والقضايا ذات الصلة تُشكل «مؤشرًا مثاليًّا» للتصويت اليميني الشعبوي. وهذا ليس لأن العنصرية وكراهية الأجانب تحدد اختيار التصويت مباشرةً. والواقع أنه لا يوجد ترابط كبير بين هذه المشاعر والنجاح الشعبوي. فبعض البلدان الأوروبية التي تسجل مستويات متدنية من مشاعر العنصرية وكره الأجانب، مثل السويد، لديها أحزاب شعبوية يمينية ناجحة للغاية، في حين أن بعض البلدان الأخرى التي تسجل درجات عالية نسبيًّا من هذه المشاعر، مثل أسبانيا وأيرلندا، لديها أحزاب أقل نجاحًا من هذا النوع.

السبب الجوهري لنجاح اليمين الشعبوي

ولفتت الكاتبة إلى أن ما يفسر النجاح الشعبوي اليميني يبدو أنه لا يكمن في زيادة النزعة العنصرية أو كراهية الأجانب، بل بالأحرى أن المواطنين المهتمين بالهجرة والهوية الوطنية قد صوَّتوا على نحو متزايد على أساس تلك المخاوف. وفيما يتعلق بالناخبين من الطبقة العاملة غير الجامعيين على وجه الخصوص، فمن المهم التأكيد على أنه في أوروبا، كما هو الحال في الولايات المتحدة، كان لهؤلاء الناخبين دائمًا آراء معتدلة إلى محافظة بشأن مثل هذه القضايا الاجتماعية والثقافية.

Embed from Getty Images

ولا يكمن التغيير الكبير الذي حدث مع مرور الوقت في هذه الآراء ولكن في أهميتها أو بروزها في خيارات التصويت الخاصة بهم.

وإدراكًا منهم بأنهم يُبلون بلاءً حسنًا عندما تبرز قضايا الهجرة والقضايا ذات الصلة، عمل الشعبيون اليمينيون في أوروبا جاهدين على إبقاء اهتمام الناخبين مُنصبًا على تلك القضايا.

وخلال عقود ما بعد الحرب، تمحورت المنافسة السياسية في أوروبا في المقام الأول حول القضايا الاقتصادية التي تدافع عن سياسات العدالة الاجتماعية. ولكن خلال أواخر القرن العشرين، تغير هذا مع تحول هذه الأحزاب إلى الوسط اقتصاديًّا وتضاءلت الخلافات بينها وبين منافسيها في يمين الوسط وفقًا لذلك. وبالنظر إلى تخليها عن كثير من جاذبيتها الاقتصادية المميزة خلال أواخر القرن العشرين، بدأت الأحزاب العمالية والديمقراطية الاجتماعية الأوروبية في إيلاء اهتمام متزايد بالقضايا غير الاقتصادية مثل الهجرة والهوية الوطنية وخاصة خلال العقد الماضي.

وقد ساعد هذا، إلى جانب التقارب في السياسات الاقتصادية بين اليسار واليمين السائد، في زيادة الأهمية المركزية للقضايا غير الاقتصادية في النقاش السياسي. كما أبعد الأحزاب اليسارية السائدة عن القضايا المفضلة للناخبين من الطبقة العاملة وغير الحاصلين على التعليم الجامعي على وجه الخصوص والجمهور بوجه عام.

الطبقة العاملة

وألمحت الكاتبة إلى أن عددًا من المواقف التي اتخذها الحزب الديمقراطي بشأن القضايا الاجتماعية والثقافية مثل الهجرة غير الشرعية، وما يسمى بالصواب السياسي، وإصلاح الشرطة، هي قضايا هامشية من وجهة نظر الناخبين البيض من الطبقة العاملة وغير الجامعيين، من المنتمين للحزب نفسه، والناخبين بوجه عام.

وبناءً على ذلك يعتقد عديدٌ من منتقدي الأحزاب من الداخل أن هذه المواقف «التي لا تحظى بشعبية كبيرة»، إلى جانب «اليسار الثقافي» العام للحزب، تشكل سببًا رئيسًا في صعوبة اجتذاب المزيد من الناخبين البيض من الطبقة العاملة وغير الجامعيين، فضلًا عن الناخبين المحافظين ثقافيًّا من غير البيض.

ولا يمكن فصل التراجع الانتخابي للأحزاب العمالية والديمقراطية الاجتماعية في أوروبا في العقود الأخيرة، وفي الانتخابات الأخيرة بالأساس، عن خسارة الطبقة العاملة والناخبين غير الجامعيين.

ومع أن نظام الحزبين في الولايات المتحدة يحمي الحزب الديمقراطي من خطر الأحزاب المنشقة، فمن الصعب رؤية الطريقة التي يستطيع بها الحزب أن ينافس الجمهوريين على المستوى الوطني ومستوى الولايات والمستوى المحلي على الأمد البعيد من دون الفوز بالمزيد من الناخبين من الطبقة العاملة وغير الجامعيين.

Embed from Getty Images

وفي الولايات المتحدة، تمكَّن ترامب من استعادة النسبة المئوية من الناخبين من الأقليات التي كان أسلافه الجمهوريون يحصلون عليها في السابق. كذلك يحظى عديد من الأحزاب اليمينية الشعبوية في أوروبا حاليًا بتأييد أغلبية الطبقة العاملة. ومن الصعب أن نرى كيف يمكن إعادة تنشيط اليسار، ناهيك عن الديمقراطية الليبرالية، في دول الغرب من دون عكس هذا الاتجاه.

وهناك أسباب عديدة وراء إعادة الاصطفاف التصويتي الدراماتيكي التي حدثت في مختلف أنحاء دول الغرب على مدى العقود القليلة الماضية، ولكن تجاهل الدور الذي لعبته أحزاب اليسار الرئيسة سيكون خطأ فادحًا. فقد أسهم التحول إلى الوسط في القضايا الاقتصادية وإلى اليسار في القضايا الاجتماعية والثقافية في زيادة أهمية هذه الأخيرة، وفي الوقت نفسه أبعد الأحزاب اليسارية أيضًا عن تفضيلات الناخبين من الطبقة العاملة وغير الجامعيين والناخبين عمومًا.

ريادة أعمال

منذ 3 شهور
مترجم: كيف ستستفيد أمريكا بعد إلغاء حظر دخول المسلمين الذي فرضه ترامب؟

وقد خلق هذا في لغة العلوم السياسية، «فجوة تمثيل» بين اليسار وعديد من الناخبين، وبذلك منح فرصة للشعبويين اليمينيين لكسب أصوات بعضهم.

ولا يتطلب أي من هذا أن يتخلى اليسار عن الأهداف المهمة، بما في ذلك سياسات الهجرة الإنسانية، والعدالة العِرقية، وإصلاح الشرطة. ومع ذلك يعني هذا الاعتراف بأن التمسك بمواقف غير جذابة باستمرار في ديمقراطيةٍ ما يستلزم قبول الحرمان – إن لم يكن العجز – السياسي الدائم.

وتختم الكاتبة مقالها بالقول إن على الأحزاب اليسارية أن تُعيد تقييم مدى الوقت الذي تخصصه للتركيز على القضايا الاقتصادية في مقابل القضايا غير الاقتصادية. وكذلك الطريقة التي يناقشون بها القضايا غير الاقتصادية لكي يوضحوا لناخبي الطبقة العاملة من جميع الخلفيات وغيرهم من المواطنين المتعاطفين أن التقدم في هذه المسائل بمثابة لعبة إيجابية، وليست لعبة ذات محصلة صفرية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد