«على الرغم من أن بريطانيا لم تنفصل بعدُ عن الاتحاد الأوروبي، إلا أن أحد الخُطَّاب تقدَّم بالفعل لطلب يدها: الولايات المتحدة»؛ بهذه اللفتة استهل بول وايزمان تحليله المنشور على موقع وكالة أنباء «أسوشيتد برس»، في إشارةٍ إلى الاتفاق التجاري المرتقب بين البلدين فور إنهاء صفقة بريكست.

قائلًا: خلال زيارة إلى المملكة المتحدة هذا الأسبوع، نقل مايك بينس، نائب الرئيس الأمريكي، رسالة من ترامب مفادها «أن الولايات المتحدة حريصة على التوصل إلى اتفاق تجاري جديد»، وهو ما لن يكون ممكنًا حتى تستكمل بريطانيا خروجها من الاتحاد الأوروبي، وتخرج من كتلته التجارية المكونة من 28 دولة.

ونقل ويزمان، الذي يغطي شؤون الاقتصاد العالمي في الوكالة، عن نائب الرئيس مايك بينس قوله، خلال زيارته إلى 10 داونينج ستريت (مقر عمل الحكومة البريطانية) برفقة رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون يوم الخميس: «رسالتنا واضحة: في اللحظة التي تخرج فيها المملكة المتحدة، ستدخل الولايات المتحدة».  

ليس بهذه السرعة

يضيف التحليل: بناء علاقة تجارية جديدة بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة فوق حطام بريكست لن يكون سهلًا. وقد تعهد المسؤولون البريطانيون بالفعل بمقاومة أي اتفاقية غير متوازنة لصالح الولايات المتحدة؛ مما يخلق احتمالية لنشوب نزاعات حول مسائل مثل الدجاج المكلور (المغسول بالكلور) وطبق هاغيس الأسكتلندي المثير للجدل.

Embed from Getty Images

وقال جونسون لبينس: «أعرف أنكم مفاوضون صعبوا المراس للغاية»؛ «لذلك، سنعمل جاهدين للتأكد من أن اتفاقية التجارة الحرة هي صفقة تصب في مصلحة جميع الأطراف».

وتابع الكاتب: إن بريطانيا، بصفتها عضوًا في الاتحاد الأوروبي، استعانت بالبيروقراطيين في بروكسل في سياستها التجارية. وقبل أن تتمكن من اتباع مسار مستقل، والتوصل إلى اتفاق تجاري جديد مع واشنطن؛ سيتعين على لندن التفاوض على الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، أو الخروج من الكتلة دون التوصل إلى اتفاق والمخاطرة بتدمير اقتصادها.

وقالت كريستين مكدانيل، زميلة أبحاث أقدم في مركز ميركاتوس بجامعة جورج ماسون: «حتى يتم حل ذلك، فكل هذا مجرد تكهنات». 

مصير الحدود الأيرلندية بعد «بريكست»

ووفقا لويزمان فإن شروط انفصال المملكة المتحدة عن الاتحاد الأوروبي ستُعَقِّد أي اتفاق مع الأمريكيين، وهي الصفقة التي يجب أن يوافق عليها الكونجرس.

وأضاف بأنه لا توجد عوائق تلوح في الأفق أكبر من مصير الحدود بين جمهورية أيرلندا المستقلة وأيرلندا الشمالية، وهي جزء من المملكة المتحدة. 

ففي الوقت الحالي، يمكن للأشخاص والبضائع عبور الحدود الأيرلندية بحُرِّيَة دون مواجهة نقاط التفتيش الخاصة بالهجرة أو الجمارك؛ لأن كلا من المملكة المتحدة وإيرلندا ينتميان إلى الاتحاد الأوروبي، مما يتيح لمواطني البلدين حرية التجارة والسفر بينهما.

والسؤال هو: ماذا سيحدث للحدود الأيرلندية إذا غادرت بريطانيا الاتحاد الأوروبي؟ يجيب التحليل: إذا ظلت الحدود مفتوحة، فلن تنجح الاتفاقية التجارية بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة؛ ذلك أن الحدود المفتوحة ستسمح للبضائع من دول الاتحاد الأوروبي الـ27 الأخرى بالتسلل إلى بريطانيا عبر جمهورية أيرلندا. ويمكن بعد ذلك تصدير هذه البضائع إلى الولايات المتحدة وفقًا للشروط المواتية لما يفترض أن يكون اتفاقًا حصريًا بين بريطانيا والولايات المتحدة.

لكن إنشاء حدودٍ صلبةٍ بين الأيرلنديتين (الشمالية والجنوبية)؛ من شأنه أن يخاطر باستحضار العداوات القديمة، وتقويض اتفاق الجمعة العظيمة التاريخي لعام 1998 الذي جلب السلام إلى جزيرة مزقتها أعمال العنف.

والأكثر من ذلك أن رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي قالت مرارًا وتكرارًا إنه «لا توجد فرصة» لأن يوافق الكونجرس الأمريكي على اتفاقية تجارية مع بريطانيا إذا أدى خروجها من الاتحاد الأوروبي إلى إغلاق الحدود الأيرلندية.

قضايا حساسة

ومع ذلك هناك أسباب للتفاؤل إذا أمكن حل القضايا المتعلقة بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. فالرئيس ترامب يتمتع بعلاقة ودية مع جونسون أكثر من العديد من القادة الآخرين. لذلك فمن الممكن أن تمضي المحادثات التجارية بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بسلاسة وسرعة أكبر من المفاوضات الأمريكية مع الصين.

Embed from Getty Images

لكن من المرجح أن تُثبِت بعض القضايا أنها شائكة؛ حيث كان المزارعون البريطانيون يتمتعون بالحماية من المنافسة على التصدير بموجب السياسات الزراعية الحمائية التي يتبناها الاتحاد الأوروبي. وتعتزم الولايات المتحدة المطالبة بمزيد من الوصول إلى سوق الزراعة البريطاني بعد خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، وفقًا لقائمة الأهداف التفاوضية التي نشرها مكتب الممثل التجاري الأمريكي في فبراير (شباط). ويرى الكاتب أن القبول بمنافسة إضافية من المزارعين الأمريكيين سيكون صفقة يصعب تسويقها في بريطانيا.

وهناك قضايا حساسة أخرى؛ ففي يونيو (حزيران)، أثار ترامب ضجة عندما قال إن «كل شيء» – بما في ذلك الخدمة الصحية الوطنية في بريطانيا – «سيكون على الطاولة» في المحادثات التجارية بين الولايات المتحدة وبريطانيا. والبريطانيون يحيطون بسياجٍ قوي من الحماية النظام الصحي الذي تديره الدولة، والذي يقدم الرعاية الطبية المجانية للجميع. وعلى الرغم من تراجع ترامب في وقت لاحق عن الفكرة، كرر جونسون هذا الأسبوع أن «الخدمة الصحية الوطنية ليست على الطاولة».

وأشار جونسون أيضًا إلى أن أمريكا بحاجة إلى رفع الحظر المفروض على طبق هاغيس الأسكتلندي – وهو سجق محشو بخليط لذيذ من أعضاء معدة العجل أو الضأن المفرومة مع الشعير والتوابل – ولفت مازحًا إلى المخاوف البريطانية من أن الولايات المتحدة ستصر على المزيد من معايير سلامة الغذاء الأكثر تراخيًا؛ مما يؤدي إلى تدفق الدجاج المكلور من الولايات المتحدة.

وقال مازحًا بطريقة تهكُّمِيّة على خصومه السياسيين: «نحن لسنا حريصين للغاية على ذلك الدجاج المكلور أيضا»، مضيفًا: «لدينا دجاجة مكلورة ضخمة تخصنا هنا على مقاعد المعارضة».

السير على حبل رفيع

وقالت أماندا سلوت، زميلة أقدم في معهد بروكينجز: «على بوريس جونسون أن يسير على حبلٍ رفيع للغاية؛ فمن ناحية، يحتاج إلى دونالد ترامب حتى يتمكن من إظهار أن بريطانيا لا يزال لديها أصدقاء وحلفاء مقربون… ومن ناحية أخرى، فإن دونالد ترامب لا يحظى بشعبية كبيرة في بريطانيا ويتعين على بوريس جونسون التأكد من أنه لا يبدو مثل حيوان ترامب الأليف».

علاوة على ذلك أصبحت التجارة بين بريطانيا وممتلكاتها الاستعمارية السابقة منتعشة بالفعل؛ مما يشير إلى أن احتمال تحقيق مكاسب اقتصادية كبيرة في أي من البلدين قد يكون ضئيلًا.

وفي العام الماضي كانت المملكة المتحدة رابع أكبر سوق للصادرات الأمريكية. وأعلنت الولايات المتحدة، التي تدير عجزًا تجاريًا مزمنًا مع معظم شركائها التجاريين الرئيسيين، عن فائض تجاري بقيمة 18.6 مليار دولار مع بريطانيا في عام 2018. ومع ذلك فإن الاتفاق بين الولايات المتحدة وبريطانيا سيمثل عرضًا قويًا لدعم بريطانيا بعد الانفصال الفوضوي عن الاتحاد الأوروبي. 

ونقل التحليل عن روبرت لورنس، أستاذ التجارة والاستثمار بكلية كينيدي بجامعة هارفارد قوله: «من الواضح أن الحكومة البريطانية تستخدم هذا كإشارة إلى أنها تستطيع الاستغناء عن أوروبا».

وقال لاري كودلو، كبير مستشاري ترامب الاقتصاديين: إن الإدارة تريد أن تعمل على التوصل إلى اتفاق، لكنها تقر بأن عليها الحصول على الضوء الأخضر من المملكة المتحدة أولًا. في غضون ذلك، ستركز الولايات المتحدة على اتفاقيات أخرى قيد التنفيذ، وخاصة الاتفاق بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا والذي يُستهدف أن يحل مكان اتفاقية التجارة الحرة لدول أمريكا الشمالية التي دامت 25 عامًا.

وأضاف كودلو في ختام التحليل: «هذ ليست قضية الغد. أعني أن أهم اتفاق تجاري هو الاتفاق المبرم بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا. هذه هي أهم أولوياتنا التشريعية».

الجيش البريطاني بعد «البريكست».. كيف ستغيب الشمس عن الإمبراطورية العظمى؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد