نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تحليلًا لسفيتلانا تشيرنيخ، المحاضرة في الجامعة الوطنية الأسترالية، وفرانشيسكا ليسا، المحاضرة في جامعة أكسفورد، حول نقل روسيا الأطفال الأوكرانيين من بلادهم إلى الأراضي الروسية. وتشير الكاتبتان إلى أحداث مماثلة وقعت في إسبانيا وأمريكا اللاتينية، والإجراءات القانونية التي اتخذت ضد مرتكبي هذه الأعمال لتكون نموذجًا لما قد تفعله أوكرانيا في المستقبل.

دولي

منذ شهرين
مترجم: «سيناريوهات غير سارة».. روسيا تحذر من تبعات تسليح الغرب لأوكرانيا

وأشارت الباحثتان في مستهل تحليلهما إلى أن الأنباء أفادت بأن آلاف الأطفال الأوكرانيين فُقدوا منذ بدء الحرب في 24 فبراير (شباط). وتشير مجموعة متزايدة من الأدلة إلى أن بعض هؤلاء الأطفال قد نُقلوا قسرًا إلى روسيا. ووفقًا للممثل الأوكراني الدائم لدى الأمم المتحدة سيرجي كيسليتسيا، نُقِل أكثر من 234 ألف طفل إلى روسيا بحلول أوائل يونيو (حزيران).

وتؤكد الكاتبتان أن خطف القاصرين انتهاك لكل من اتفاقية الأمم المتحدة للإبادة الجماعية واتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل. ومع ذلك، يشير بحث حديث إلى أن مثل هذه التكتيكات لها سوابق قاسية. وفي الماضي، لجأت الأنظمة الاستبدادية في إسبانيا والأرجنتين، من بين دول أخرى، إلى اختطاف الأطفال لاستهداف خصومها – عندما دخلت هذه الأنظمة مراحلها الأكثر فتكًا وقمعًا. وتقدم هذه القضايا التاريخية دروسًا حول الطريقة التي يمكن لأوكرانيا أن تحاسب من خلالها الجناة فيما بعد.

ماذا نعرف عن أطفال أوكرانيا المفقودين؟

تعود الشائعات حول اختطاف القاصرين الأوكرانيين إلى 19 مارس (آذار)، عندما أفادت وزارة الخارجية الأوكرانية بأن القوات الروسية أخذت 2389 طفلًا من منطقتي لوهانسك ودونيتسك. في الوقت نفسه، أفاد بيوتر أندريوشينكو، مساعد رئيس بلدية ماريوبول، أن نحو 4500 من سكان المدينة جرى نقلهم رغمًا عنهم عبر الحدود إلى روسيا.

Embed from Getty Images

وتوضح الباحثتان أنه على الرغم من أن الأعداد الدقيقة للمختطَفِين من البالغين والأطفال لا تزال غير واضحة، تشير الأدلة المتزايدة إلى أنها أعداد كبيرة. وفي منتصف أبريل (نيسان)، قدَّم تقرير صادر عن منظمة الأمن والتعاون في أوروبا تفاصيل مزاعم المسؤولين الأوكرانيين بأن القوات الروسية طردت ما يقرب من 500 ألف مدني. وازدادت الأعداد منذ ذلك الحين، حيث قدَّرت السلطات الأوكرانية مؤخرًا أن 1.2 ملايين أوكراني جرى ترحيلهم على غير إرادتهم.

ولم يجرِ التحقق من هذه الادِّعاءات حتى الآن، وقد ثبُتت صعوبة تحديد أماكن أطفال وعائلات بعينها في زمن الحرب. لكن تقارير الترحيل القسري إلى روسيا والتهديد الذي يتعرض له المواطنون المستضعفون في أوكرانيا أثار القلق في البرلمان الأوروبي.

ووفق ما ورد، التقت ماريا لفوفا بيلوفا، أمينة المظالم الروسية المعنية بحقوق الأطفال، بفلاديمير بوتين في أوائل مارس لمناقشة إجراء تغييرات أمام مجلس الدوما من شأنها تبسيط القانون الروسي، وتسريع تبني الأطفال من منطقة الحرب في أوكرانيا.

وفي أبريل، أكدت ماريا أن ما يصل إلى 1560 طفلًا من أوكرانيا قد وصلوا إلى روسيا دون والديهم – وأن عددًا من هؤلاء الأطفال، على حد قولها، يمكن أن تتبناهم أسر روسية. وناقشت عضوة مجلس الاتحاد الروسي، ليليا جوميروفا، علانيةً كيف أن الأطفال الأوكرانيين «من الأراضي المحررة» يفتقرون إلى معرفة اللغة الروسية، وأعلنت أنه سيجري تنظيم معسكرات صيفية خاصة لتعليمهم اللغة الروسية.

سرقت الأنظمة في أماكن أخرى أيضًا الأطفال

وتؤكد الكاتبتان أن الاختطاف والاستيلاء غير القانوني على القُصَّر على يد الديكتاتوريات ليست ظاهرة جديدة، فالنظام العسكري الأرجنتيني 1976-1983، على سبيل المثال، كان مسؤولًا عن الاختفاء الممنهج لما يقرب من 30 ألفًا من المعارضين السياسيين – ولكنه أيضًا «سرق» ما يقدر بنحو 500 طفل وُلِدوا أثناء احتجاز أمهاتهم رهن الاعتقال.

Embed from Getty Images

ومن خلال شبكة غير قانونية من عمليات التبني، غالبًا ما كان يُوضع هؤلاء الأطفال في أيدي عائلات ضباط الجيش أو الشرطة أنفسهم الذين شاركوا في قتل الآباء والأمهات البيولوجيين للأطفال. وفي حالات أخرى، انتهى الأمر بالأطفال في دور الأيتام أو تبنَّتهم عائلات موالية للنظام العسكري، بوثائق مزوَّرة تخفي أصولهم الحقيقية.

الأطفال غنيمة حرب

ألمحت الكاتبتان إلى أنه جرى التعامل مع هؤلاء الأطفال على أنهم «غنيمة حرب»، حيث كان الهدف الرئيس للديكتاتورية العسكرية هو «القضاء على أي بقايا من أعدائها اليساريين وإرثهم». وعلى الرغم من كل الصعاب، ومنذ عام 1977، نجحت منظمة «جدات ساحة مايو» غير الحكومية في التعرف إلى 130 طفلًا وجمع شملهم بأسرهم البيولوجية.

علوم الثورة

منذ 3 سنوات
قصة «أمهات المختفين» اللاتي قهرن الحكم العسكري في الأرجنتين!

وظهرت قصة «الأطفال المسروقين» في إسبانيا إلى النور في عام 2011. وبدأت ممارسة نقل الأطفال – الذين انتزع الآلاف منهم من الخصوم السياسيين، أو وُضعوا في دور الرعاية أو سُلِّموا لتتبناهم عائلات موالية للأنظمة – في عهد الجنرال فرانسيسكو فرانكو خلال الحرب الأهلية 1936-1939. والعدد الدقيق للأطفال المسروقين من عائلات تُعد مشتبهًا فيها سياسيًّا غير معروف، لكن بعض التقديرات تصل إلى عشرات الآلاف.

ويصف المدافعون التكتيك المتمثل في أخذ الأطفال قسريًّا من النساء اللائي قاتلن في الجانب الجمهوري على أنه محاولة من قبل نظام فرانكو «للقضاء على الميول الشيوعية» – وهو هدف يشير إلى طموح بوتين المعلن إلى «اجتثاث النازية» في أوكرانيا من جذورها. وتحولت شبكة التبني غير القانوني في إسبانيا لاحقًا إلى «عمل تجاري مربح» استمر حتى ثمانينيات القرن الماضي.

ما الدروس المستفادة لأوكرانيا؟

توضح الكاتبتان أن لحظات ذروة القمع من جانب الأنظمة الاستبدادية تنطوي على تجريد العدو من إنسانيته، والذي يمتد ليشمل الأطفال، وينكر براءتهم الفطرية. ويُظهر التاريخ أن هذه الفترات غالبًا ما تتزامن مع انتشار انتهاكات حقوق الإنسان على نطاق واسع. وفي إسبانيا وأمريكا اللاتينية، كان هذا يعني القضاء الجماعي على المعارضين، بما في ذلك سرقة أطفالهم.

Embed from Getty Images

وفي حربها ضد أوكرانيا، يبدو أن روسيا تستخدم اختطاف الأطفال الأوكرانيين لممارسة ضغط إضافي على السكان الأوكرانيين والحكومة من أجل الاستسلام. وحتى وقت قريب، نادرًا ما خضع مرتكبو الجرائم ضد الأطفال للمحاسبة، غير أن الرياح آخذة في تغيير مسارها. وفي عام 2012، حكمت محكمة فيدرالية في بوينس آيرس على الديكتاتوريين الأرجنتينيين السابقين خورخي فيديلا ورينالدو بينوني بالسجن لمدة 50 و15 عامًا على الترتيب، لإشرافهما على السرقة الممنهجة لأطفال السجناء السياسيين.

وفي الكتاب المنشور مؤخرًا «محاكمات كوندور»، حددت الباحثتان 45 دعوى جنائية على الأقل لانتهاكات حقوق الإنسان العابرة للحدود في أمريكا الجنوبية في السبعينيات. ومن بين هؤلاء، حكمت محكمة أرجنتينية على أربعة ضباط مخابرات سابقين بالسجن مدى الحياة في عام 2020 لارتكابهم جرائم ضد الإنسانية شملت سرقة طفلين وإخفاءهم من أوروجواي.

وتختتم الباحثتان تحليلهما بالقول: وبينما تبدأ أوكرانيا في محاسبة الجناة على جرائم الحرب، تشكل هذه القضايا التاريخية والمحاكمات الأخيرة في أمريكا الجنوبية لانتهاكات حقوق الإنسان العابرة للحدود مثالًا على كيفية ظهور الحقيقة في النهاية. والأهم من ذلك، توضح هذه الحالات كيف يمكن محاسبة الأفراد المسؤولين عن اختطاف الأطفال في محكمة قانونية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد