قراءة جديدة في إقالة جون بولتون من منصب مستشار الأمن القومي في أمريكا ومخاوف إسرائيلية من غياب رجلها الأول داخل الإدارة الأمريكية، فماذا يريد ترامب؟

نشرت وكالة التلجراف اليهودية مقالاً للكاتب رون كامبيس، مدير مكتبها في واشنطن، استهله بالحديث عن تطور الأوضاع في إسرائيل، مشيرًا إلى أنه قبل أسبوع واحد من توجه الإسرائيليين إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات الثانية لبلدهم هذا العام، ظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي في بث مباشر على التلفاز قاطعًا الوعود بأنه في حالة إعادة انتخابه، سيكون على استعداد لضم مناطق حساسة من الضفة الغربية بـ«أقصى قدر من التنسيق» مع الرئيس دونالد ترامب. واستشهد نتانياهو بعبارة للرئيس الأمريكي يقول فيها: «لدينا ثقة كبيرة في صداقتنا».

وبعد مرور دقائق بالضبط، أسقط ترامب قنبلة على تويتر بإعلانه مطالبة أحد أقرب حلفاء إسرائيل في البيت الأبيض، وأحد المؤيدين الرئيسيين داخل الإدارة للسياسة المتشددة ضد إيران، بالاستقالة: مستشار الأمن القومي جون بولتون.

والأسوأ من ذلك، على حد تعبير الكاتب، أن ترامب قال إنه تخلص من بولتون لوجود «خلافات شديدة» بينهما بشأن السياسة. بل إن ما زاد الأمر سوءًا، هو ما أكده وزير خارجية ترامب من أن الرئيس على استعداد للقاء رئيس إيران دون شروط مسبقة.

ويبدو أن أفغانستان هي أقرب مصادر الخلاف بين بولتون وترامب، حيث تفيد التقارير بأن بولتون كان يحاول منع ترامب من إبرام اتفاق سلام مع حركة طالبان. ويقال بأن ضغطه (بولتون) كان وراء إلغاء اجتماع هذا الأسبوع في كامب ديفيد للإعلان عن الاتفاق.

إلا أن ثمة توترات أخرى أقرب إلى مصالح إسرائيل، حيث تصدر بولتون الجهود الأمريكية الرامية إلى عزل إيران، كما ضغط من أجل ردٍ عسكري على إسقاط إيران لطائرة بدون طيار في الصيف؛ وهو هجوم أقره ترامب ثم أنكره بصورة مفاجئة.

Embed from Getty Images

وفي الشهر الماضي، أفادت التقارير بأن نتانياهو سعى للتدخل عقب ظهور تقارير بشأن اللقاء المحتمل بين ترامب وجواد ظريف، وزير الخارجية الإيراني، الذي قام بظهور مفاجئ في اجتماع مجموعة السبعة الكبار المنعقد في فرنسا.

وخلال حديثه في مؤتمر صحفي تم تنظيمه في عجالة، بعد ظهر الثلاثاء، لتبديد التخمينات بشأن إقالة بولتون، قال وزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو: إن ترامب كان مستعدًا لالتقاء الرئيس الإيراني حسن روحاني على هامش الاجتماع القادم للجمعية العامة بالأمم المتحدة. وأضاف بومبيو: «بالتأكيد، أعلن الرئيس بوضوح، وهو على استعداد للقاء دون شروط مسبقة».

ومع ذلك، هلل الإيرانيون لرحيل بولتون، ودوّن حسام الدين آشنا، أحد مستشاري روحاني، تغريدة قال فيها «هذه علامة حاسمة على فشل استراتيجية الضغط القصوى الأمريكية» تجاه إيران.

مخاوف تراود إسرائيل

أوضح الكاتب أن إسرائيل تخشى من تطوُّر اجتماع ترامب وروحاني على غرار القمم التي عُقدت بين ترامب وزعيم كوريا الشمالية كيم جونج أون، والتي أشاد فيها الرئيس بعلاقته الوطيدة مع القائد المستبد حتى في ظل استمرار كوريا الشمالية في اختبار أسلحتها.

وقبل ساعات من رحيله، كتب بولتون على تويتر: «الآن ونحن على بُعد أسبوعين من انعقاد الجمعية العامة بالأمم المتحدة، يمكنكم التأكد من أن إيران تبذل جهودها في الخداع».

ومن جانبها، حذرت دانييل بليتكا، نائبة رئيس معهد أمريكان انتربرايز، حيث كان يعمل بولتون قبل سنوات من شغل منصبه في الحكومة، حذرت من تصور أن رحيل بولتون بمثابة إشارة إلى التغيير الراديكالي في سياسة إسرائيل. 

وأضافت بليتكا أن هناك قيادات أخرى في الإدارة تدعم إسرائيل مثلها مثل بولتون، بما فيهم بومبيو وجاريد كوشنر، أحد كبار مستشاري ترامب وصهره. وأردفت بولتون: «لا أظن أن بولتون هو مؤلف سياسة إسرائيل».

كما أبدى بومبيو ملاحظة مماثلة في مؤتمره الصحفي، قائلاً لا ينبغي المبالغة في تفسير رحيل بولتون. وأضاف: «لا ينبغي لأي قائد (على مستوى العالم) أن يفترض أن رحيل أي شخص منا سيعني تغيير سياسة [ترامب] الخارجية».

Embed from Getty Images

وأضاف الكاتب: لكن قد يكون أحد مخاوف إسرائيل الأوسع نطاقًا هو تعزيز اتجاهات ترامب الانعزالية، فغالبًا ما كان يُنظر لبولتون على أنه يسعى من أجل اتخاذ الجيش الأمريكي موقفًا أكثر صرامة، وهو اتجاه قد عارضه ترامب.

وعلى مدى عقود، قيّم القادة الإسرائليون السياسة الأمريكية من خلال معيارين: خصائص التحالف الثنائي، بما في ذلك تقديم المساعدة المالية والمساعدات الأخرى لإسرائيل، والإسقاط العالمي للسلطة الأمريكية التي هي بمنزلة أحد أقرب الحلفاء لإسرائيل.

فبالنسبة للشق الأول، يعتبر ترامب تحسنًا شديدًا مقارنة بأسلافه؛ وذلك باتخاذه خطوات مثل نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والاعتراف بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان، وتشجيع الدول العربية السنة على التحالف مع اسرائيل حتى في غياب التقدم نحو إبرام اتفاقية سلام مع الفلسطينيين.

أما الشق الثاني، فإن إقالة بولتون تزيد من المخاوف. وقد أوضحت بليتكا «هناك أشخاص في الدائرة الداخلية للرئيس يعترضون على الريادة العالمية الأمريكية». وأضافت «هناك أشخاص داخل البيت الأبيض يعتقدون أن الإنفاق الدفاعي والمعونات الخارجية ما هي إلا أموال مهدرة وأننا ينبغي أن نتعامل مع مثل هذه الأشياء في وطننا».

اليهود يودعون بولتون

اعترض بولتون على ترامب عبر تويتر وأصر على استقالته. وصب كل من بومبيو وستيفن منوشين، وزير الخزانة الأمريكية، جام غضبهما على بولتون؛ حيث ذكر منوشين أن دعم بولتون لحرب العراق عام 2003 هو أحد الأسباب الرئيسية لإقالته- وكأن هذا الأمر لم يكن واضحًا عندما أصبح بولتون مستشارًا للأمن القومي عام 2018.

ورد عملاء بولتون على الانتقادات اللاذعة، حيث نقلت قناة (سي إن بي سي) ما قاله «مصدر مقرب من بولتون» أنه «منذ تولي السفير بولتون منصب مستشار الأمن القومي على مدى الأشهر السبعة عشر الماضية، لم يكن هناك أية صفقات سيئة».

جدير بالذكر، أن بولتون حظي بوداع حار من الائتلاف اليهودي الجمهوري، وهو الائتلاف الذي احتضن رئاسة ترامب في العام الماضي. وكتب مات بروكس، المدير التنفيذي للتحالف اليهودي في الحزب الجمهوري، على تويتر: «شكرًا لصداقتكم الطويلة، ووضوحكم الأخلاقي، ودفاعكم المتحمس عن أمريكا وحلفائنا، خاصة إسرائيل».

ولفت الكاتب إلى أن الديمقراطيين كانوا مستعدين للانقضاض على إدارة شهدت تقلبًا كبيرًا في صفوف مناصبها العليا؛ فقد كان بولتون مستشار الأمن القومي الثالث لترامب في أقل من ثلاثة أعوام.

واختتم الكاتب مقاله بنقل ما كتبته هالي سوفير، المديرة التنفيذية للمجلس الديمقراطي اليهودي الأمريكي، على تويتر، حيث قالت سوفير «إن هذا التقلب في الأمن القومي -والحكومة – غير مسبوق، وهو علامة واضحة على قيادة ترامب الفاشلة، محليًا وعالميًا». وأضافت سوفير أن «هذا التقلب يشير أيضًا إلى تضارب وخطر سياسة ترامب الخارجية الشاردة».

«ناشيونال إنترست»: كيف ستتغير سياسة ترامب الخارجية بعد إقالة بولتون؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد