«أندي خواجة متهم بانتهاك تمويل الحملات الانتخابية. لكنه يقول: إن القصة أكبر من ذلك».

كتب بول وود تقريرًا في موقع «سبكتاتور» الأمريكي حول اتهامات أندي خواجة، وهو مواطن أمريكي من أصول لبنانية، للإمارات والسعودية بالتلاعب بالانتخابات الرئاسية الأمريكية، واستخدامهما الأموال لإيصال ترامب إلى البيت الأبيض في عام 2016. 

ورغم اتهامات خواجة فإنه فشل في تقديم أدلة على مزاعمه، وإن كانت هناك بعض القرائن، غير أنها لا ترقى إلى مستوى الأدلة. والمفارقة أن أندي نفسه اتُّهم بمخالفة قواعد تمويل الحملات الانتخابية، وهو يعيش في لبنان الآن كمنفي، كما يقول الكاتب. 

«نيويورك تايمز»: هكذا سعت الإمارات للتأثير على انتخابات أمريكا

صور شخصية مع هيلاري وترامب

يستهل وود تقريره برفقة خواجة «بعد الساعة الثانية صباحًا في نادي 38، وهو ملهى ليلي في عنبر سكة حديد قديم في بيروت. جهاز الدي جيه يصدح في كابينة قطار يكسوه الصدأ، والأضواء تغمر حشدًا كبيرًا أسفلها. مضيفي هو أندي خواجة وهو رجل أعمال لبناني أمريكي. نحن نجلس على طاولة كبار الشخصيات في النادي، وهو يتصفح الصور على هاتفه. هنا صورته مع هيلاري كلينتون في حملة لجمع التبرعات. وهنا، يصافح الرئيس ترامب في المكتب البيضاوي.

الرجال الذين يرافقونه في النادي حليقو الرؤوس ولديهم لحى كثيفة، ويرسمون وشومًا. أتساءل عما إذا كانوا مافيا أم ميليشيا أم مخابرات. عندما أنهض وأذهب إلى دورة المياه، يتبعني حارس مفتول العضلات يضع في خاصرته مسدس جلوك على بعد خطوة. يفتح الصنبور لي ويقدم لي منشفة». 

«دمروا أعمالي.. والآن يطاردونني»

يتابع بول وود: عندما أعود إلى المائدة، أجد صفًّا من الرجال يضعون طرابيش على رؤوسهم يضربون الأرض بأقدامهم وهم يرقصون الدبكة، وهي رقصة عربية شعبية، كنوع من التحية لأندي. ويشعر أندي بالابتهاج. ويقرع أحد راقصي الدبكة طبلة ضخمة والموسيقى تصم الآذان، لدرجة أننا نضطر إلى الصراخ حتى نسمع بعضنا بعضًا.

وقال «لقد تعاملوا معي بوقاحة يا بول، تعاملوا معي بوقاحة. أولًا دمروا أعمالي. والآن يطاردونني». يعتقد أندي خواجة أنه يتعرض للاضطهاد بسبب ما يعرفه. وما يعرفه، كما أسرَّ لبول وود، هو أن المملكة العربية السعودية وإمارة أبوظبي قامتا بشراء انتخابات عام 2016 لصالح دونالد ترامب.

Embed from Getty Images

أندي خواجة (الأول من اليسار)

من الفاتيكان إلى إيران.. قصص «خواجة» حقيقة أم خيال؟

يضيف وود: على مدار العام الماضي، التقينا في منزله الفخم في مرتفعات هوليوود هيلز، وفي فندق كمبينسكي في قطر، وفي بار السيجار التابع لنادي مايفير للفنون في لندن. في دقيقة، يطلعني على صورة له مع البابا (إنه يدفع مبالغ ضخمة للجمعيات الخيرية)، وفي الدقيقة التالية يجري مكالمة فيديو مع ما يبدو أنه مسؤول في طهران، في محاولة لتحرير رهينة أمريكية. 

هناك دائمًا لمسة من الخيال، وحتى المستحيل، عن حياة خواجة وقصصه. جئت إلى بيروت لأحمله على أن يعلن موقفه بشأن أمر كان يتحدث لي عنه في جلساته الخاصة منذ عدة أشهر، ألا وهو: ما حدث في انتخابات عام 2016.

ملايين الدولارات السعودية والإماراتية لحملة ترامب

يدَّعي خواجة أن السعوديين والإماراتيين دفعوا على نحو غير قانوني عشرات أو حتى مئات الملايين من الدولارات لحملة ترامب في عام 2016. ويقول إنه لإبقاء الأمر سرًّا، أخفوها في صورة تبرعات صغيرة من الأمريكيين، مستخدمين الهويات المسروقة و«بطاقات ائتمان افتراضية» أو بطاقات الهدايا – التبرعات التي تقل قيمتها عن 200 دولار لا يلزم إبلاغ لجنة الانتخابات الفيدرالية بها وإعلانها.

ويدّعي أندي أن السعوديين والإماراتيين تمكنوا من تقديم الآلاف من هذه التبرعات الصغيرة في وقت ما باستخدام أحدث تقنيات معالجة المدفوعات. ويقول خواجة إنه يعرف ذلك لأنه باع هذه الخبرة إلى وسيطهم جورج نادر، الذي سيكون الشخصية المحورية في هذه القصة.

أصدر جميع من يفترض ضلوعهم في هذا الأمر نفيًا أو فضلوا عدم التعليق. من بينهم محاميو نادر، والسفارتان السعودية والإماراتية في واشنطن العاصمة، وحملة ترامب، واللجنة الوطنية للحزب الجمهوري، وسترايب، الشركة التي أخذت مدفوعات بطاقات الائتمان للاثنين أثناء الانتخابات. 

يقول خواجة إنه حاول حمل مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) على إجراء تحقيق ولكنه فشل. ويقول خواجة أيضًا إنه تحدث إلى عضو في مجلس الأمن القومي، وعضو في الكونجرس، وعضو في مجلس الشيوخ، وجنرال سابق. ولم يسفر ذلك عن شيء أيضًا. وفي الوقت نفسه، تحطمت حياته، ودمرت شركته. لكنه يعتقد أنه سيحصل على البراءة في النهاية.

«أنا لا أدفع أبدًا يا بول».. هكذا يعيش «خواجة» في لبنان

حان الوقت للمغادرة إلى المكان التالي. لم تقدم أي فاتورة، ويقول أندي: «أنا لا أدفع أبدًا يا بول». يخطو خواجة في النادي وهو يصافح الآخرين. إنه قصير وعريض الصدر يرتدي قميصًا أسود وجينز ضيقًا. صف من سيارات الدفع الرباعي ينتظر في الخارج. يصعد إلى المقعد الأمامي لسيارة رينج روفر سوداء، ودلف بول إلى المقعد الخلفي. 

يسلم السائق خواجة بندقية هجومية من طراز أم4 أيه4 من دواسة المقعد الأمامي. وهو يصوبها في مزاح باتجاه الخلف، ونحاول جميعًا الابتعاد عن ماسورة البندقية المتأرجحة إلا كلوديت، وهي «بائعة هوى» لبنانية يبلغ طولها نحو ستة أقدام، وشعرها أسود طويل، طلبها أحد  الأشخاص في المجموعة. وتكتفي بالضحك إذ يبدو أنها اعتادت على هذا النوع من الأشياء.

Embed from Getty Images

أندي خواجة (الثاني من اليسار) في حفل بكاليفورنيا – الولايات المتحدة 2007

يتابع الكاتب: نخرج بعد ذلك من سيارة رانج روفر، إلى نادٍ آخر وإلى طاولة أخرى خاصة بالشخصيات المهمة، والحرس الشخصي يفسحون الطريق، والعمال الذين يسارعون لإحضار زجاجات الخمر، وخواجة يدخن سيجاره الضخم، وعيناه تتلألآن، ولا أحد يطلب المال. تنتهي فترة النادي الليلي في الساعة السادسة صباحًا، ونوافق على الاجتماع لتناول الغداء في الساعة الثانية بعد الظهر.

يكمل بول وود: المطعم بجوار مرسى بيروت. اليخوت تظهر وتختفي في الخارج. يطلب لنا خواجة الطعام من مأكولات بحرية مفرودة على الثلج: سمك البوري الأحمر، والقاروس (الذي يؤكل نيئًا)، والروبيان والأخطبوط. ينزلق واحد من مجموعة الليلة الماضية في مقعد، بوجهٍ يكسوه الإرهاق وعينين زجاجيتين خاليتين من التعبير. يقول إن خواجة أيقظ الجميع في الثامنة ليذهبوا إلى الصيد. 

يقول بول: أخبرني خواجة مرارًا أنه يحتاج فقط إلى النوم لمدة ساعتين في الليلة، لكنني لم أصدق ذلك أبدًا. حتى الآن لا يبدو متعبًا على الإطلاق. ربما هذه هي الطريقة التي بنى بها أعماله التجارية التي يقول إن قيمتها تبلغ – أو كانت تبلغ – 18 مليار دولار.

«أسطورة خواجة».. من بيع الخردة إلى نقل الأموال

أسطورة خواجة هي أنه نشأ فقيرًا في لبنان خلال الحرب الأهلية، حيث كان يجمع أغلفة الرصاص من الشارع لبيعها خردة. هرب في سن الرابعة عشرة، وشق طريقه بمفرده في الولايات المتحدة، ووجد أول وظيفة له في سلسلة مطاعم وينديز في نيو جيرسي. 

على الرغم من أن اسمه الأول الحقيقي هو: أحمد، فإنه اتخذ اسم «أندي» منذ وصوله. كان يعمل صرافًا في سوبر ماركت، وانتقل في النهاية إلى «بيع السترات في روديو درايف» في لوس أنجلوس. 

ولإدراكه أنه كان من الصعب على المتاجر أن تأخذ مدفوعات من بطاقات الائتمان الأجنبية، أسس شركة Allied Wallet، لتسهيل الأمر. ومعالجة الدفع، هي العمل الذي تخصص فيه خواجة. لديه خبرة بخصوص بطاقات الائتمان، ويعرف كيفية نقل الأموال. وربما يعرف أيضًا كيفية نقل الأموال سرًّا.

هنا بدأت المخابرات الإماراتية تظهر في الصورة

في أوائل عام 2016، أراد خواجة إنشاء مركز للتسوق عبر الإنترنت في الشرق الأوسط، لتكون بمثابة نسخة عربية من موقع أمازون. كان يحتاج إلى مستثمرين. ودخل جورج نادر وهو – مثل خواجة – لبناني أمريكي. قد يكون اسمه مألوفًا لأنه كان شاهدًا في تحقيق مولر. وفي يناير (كانون الثاني) 2017، رتب نادر لاجتماع في سيشيل، إذ كان يأمل على ما يبدو أن ينشئ قناة خلفية بين إدارة ترامب والكرملين. وهو الآن في انتظار صدور حكم في الولايات المتحدة، بتهمة التحرش الجنسي بالأطفال.

في عام 2016، كان نادر يعمل مع محمد بن زايد ولي عهد أبوظبي. يقول خواجة إن نادرًا أخبره أنه وجد مستثمرًا للمركز التجاري على الإنترنت، وهو عضو آخر في العائلة المالكة الإماراتية. أخبر خواجة هذا الشيخ أنه سيحتاج إلى نصف مليار دولار لبناء شركة أمازون عربية. قال الشيخ، ما عليك سوى إرسال التفاصيل، وسنستثمر مبلغ الخمسمائة مليون دولار بالكامل.

لم يكن بوسع خواجة أن يصدق أن الحظ ابتسم له، ويقول عن ذلك: «بالنسبة لي كان رد فعلي على نحو: يا إلهي! لقد فزت بالجائزة الكبرى!». اتضح أن الشيخ كان ضالعًا في إدارة أجهزة المخابرات في أبو ظبي. لكن نصف المليار دولار لم تصل أبدًا، ولا حتى جزء منها، ومات مشروع المركز التجاري. بدلًا من ذلك، قال نادر إنه يريد شراء «آلة الدفع» التابعة لخواجة، وهي تقنية تتيح تقاضي مدفوعات بطاقات الائتمان عبر الإنترنت. ووافق خواجة.

يقول خواجة إنه في سبتمبر (أيلول) 2016، أبلغه نادر لماذا يحتاج إلى آلة الدفع. أرادت أبو ظبي المساعدة في عمل «دفعات صغيرة عبر الإنترنت» ولكن بأعداد كبيرة لحملة ترامب واللجنة الوطنية للحزب الجمهوري. ويصف خواجة طلب نادر المساعدة في جعل ذلك ينجح: «كيف يمكننا توليد دفعات إلكترونية لمواقع التبرع عبر الإنترنت؟ أريد منك أن تبين لنا كيف يمكننا فعل ذلك».

Embed from Getty Images

هل كان إلغاء الصفقة النووية وحصار قطر متفقًا عليه سلفًا؟ 

يتابع التقرير: لم يكن خواجة يدون ملاحظات أو يسجل هذه المحادثات. هذا ما يذكره عما قاله نادر، وليس لدينا سوى كلمته. ويتذكر خواجة نادرًا وهو يشرح لماذا أرادوا تمويل حملة ترامب.

وفقًا لخواجة، قال نادر: «أنا ألتقي مع العاملين في حملة ترامب… لدينا صفقة مع ترامب: لقد توصل رئيسي، صاحب السمو، إلى اتفاق بأننا إذا ساعدنا ترامب على أن ينتخب، فسيتخذ موقفًا صارمًا ضد إيران، وسوف يلغي الصفقة النووية التي توصلت إليها إدارة أوباما. سيؤدي ذلك إلى شل الاقتصاد الإيراني، وسيعاقب إيران بمنع بيع النفط مرة أخرى. سيجعل من الصعب عليهم التنافس في سوق النفط. هذا يساوي مائة مليار دولار لنا. لهذا السبب لا يمكننا السماح لهيلاري بالفوز بأي ثمن. يجب أن تخسر».

يقول خواجة إنه سأل: «لكن هل تعتقد حقًّا أنه سيفوز؟ أعني، أن هذا جنون». ويقول إن نادرًا أجاب: «صاحب السمو ليس غبيًّا، ولن يراهن أبدًا على حصان خاسر». المال سيأتي من السعوديين. سيدير الإماراتيون العملية، باستخدام البيانات التي اشتروها من الصينيين.

يقول خواجة إن نادرًا قال له: «لدينا كل البيانات بالفعل، لدينا بيانات 10 ملايين مستهلك أمريكي. ولدينا أموال لا نهاية لها». كان الروس «طرفًا في العملية» أيضًا. ويضيف خواجة «لقد قال: نعم، لقد قابلت بوتين بالفعل ولدينا ضوء أخضر منه. لأن بوتين يتبنى الموقف ذاته مثلنا. إنه يريد أن تخسر هيلاري». 

يضيف بول وود: لم يرد محاميو نادر على أسئلتي. إذا كان نادر قد قال كل هذا بالفعل، فإن رد الفعل الواضح هو أنه كان يخلق عالمًا خياليًّا من أجل استغلال خواجة. أخبرتني حملة ترامب، على سبيل المثال، أن نادرًا طلب منهم أن يجتمع بهم ورفضوا ذلك. ولا يوجد ما يشير إلى أن أي اجتماع كان لمناقشة التبرعات الدولارية الصغيرة. يقول خواجة إنه افترض أن نادرًا كان يكذب بشأن كل شيء، حتى أرسل نادر له ثلاث صور من هاتفه.

تظهر الصورة الأولى لقاء نادر مع فلاديمير بوتين في ما يبدو وكأنه ركن من أركان الكرملين. في الثاني، يحتضن الزعيم السعودي، محمد بن سلمان نادرًا بحرارة، في ما يبدو أنه مكتب خاص أو غرفة جلوس. في الصورة الثالثة، نادر مع راعيه محمد بن زايد، على ما يبدو على متن طائرة محمد بن زايد الخاصة.

جورج نادر مع محمد بن سلمان. المصدر

جورج نادر مع محمد بن زايد. المصدر

جورج نادر مع فلاديمير بوتين. المصدر

لا تثبت هذه الصور وجود مخطط لتمويل حملة ترامب سرًّا، لكنها تظهر أن نادرًا لديه العلاقات التي تسمح له بالتواصل مع هؤلاء الأشخاص الذين يدعي أنه على صلة بهم. 

«هكذا سيسيطر صاحب السمو في أمريكا»

يكمل بول وود: في مطعم السمك في بيروت، يمسك خواجة بيدي ويميل إلى الأمام، مقلدًا صوت نادر اللاهث عالي النبرة: «إذا نجح هذا»، والآن يسحبني خواجة باتجاهه، «والله يا أندي، والله يا أندي، والله يا أندي…». والآن كنا أنا وخواجة قريبين بصورة غير مريحة. هنا ينتقل إلى اللحظة الحاسمة مع نادر الذي نقل على لسانه قوله «والله، أقسم بالله يا أندي، صاحب السمو سوف يسيطر على كل انتخابات أمريكية. سوف يسيطر صاحب السمو على أمريكا. سوف نتحكم في أمريكا».

يصف خواجة ابتعاده عن نادر، وهو في حالة دوار، وإبلاغه أنه لا علاقة له بمخططه. في هذه المرحلة، كما يقول، كان نادر قد دفع له ما يقرب من 5 ملايين دولار من أصل 10 ملايين دولار جرى الاتفاق عليها بشأن المخططات الخاصة بآلة الدفع الخاصة به. في هذه المرحلة أيضًا، بدا لخواجة أن هذا كان من مال نادر: ظن خواجة أن نادرًا كان يأمل في إرضاء رئيسه محمد بن زايد.

يقول خواجة إن مؤامرة شراء الانتخابات كانت ما تزال تتشكل حينما ابتعد عن الأمر، وهكذا سيتعين على نادر تطوير آلة الدفع دون مساعدته. لم يسمع أي شيء حتى يناير (كانون ثان) 2017، بعد أن فاز ترامب وكان يستعد لتولي المنصب. يقول خواجة إنه أعطى نادرًا «بطاقتين» لحضور حفل التنصيب. ويصف نادرًا وهو جالس على طاولته وهو يبتسم ويقول: «كما ترى، وكما أخبرتك، قلت لك إن ترامب سيفوز».

ترامب مدين لمحمد بن سلمان ومحمد بن زايد

يتذكر خواجة أن نادرًا أبلغه أن أول رحلة خارجية يقوم بها ترامب ستكون إلى الرياض، «للاحتفال» مع محمد بن سلمان ومحمد بن زايد «إنهما الشخصان اللذان ساعداه على انتخابه». لم يكن هذا كل شيء، بل كان هناك المزيد؛ إذ ستعلن السعودية والإمارات حصارهما لمنافستهما قطر وسوف يدعم ترامب ذلك.  

قام ترامب، في الواقع، بأول رحلة خارجية له إلى الرياض، في مايو (أيار) 2017. ودعم الحصار المفروض على قطر، والذي بدأ في يونيو (حزيران) 2017. يقول خواجة إن نادرًا أخبره خلال حديثهما في حفل الافتتاح أنهم ضخوا «بضع مئات من الملايين» في شرايين الجهود الرامية لانتخاب ترامب رئيسًا للولايات المتحدة. في مطعم السمك، أسأل خواجة إذا كان يعتقد أن المدفوعات مستمرة إلى اليوم، فيجيب «10%». 

قصة مختلفة ترويها وزارة العدل

تروي وزارة العدل قصة مختلفة عن سبب قيام نادر بمنح خواجة 5 ملايين دولار. في ديسمبر (كانون أول) 2019، وجهت وزارة العدل اتهامات مشتركة لنادر وخواجة بتقديم 3.5 مليون دولار من المساهمات غير القانونية إلى الحملة، ليس لترامب، ولكن لهيلاري كلينتون.

خواجة ونادر متهمان بالاحتيال على طريقة «متبرعي القش» على الطراز القديم (متبرع القش هو الشخص الذي يستخدم أموال شخص آخر بطريقة غير قانونية لتقديم مساهمة سياسية باسمه). أي إن حكومة أجنبية ترغب في تقديم المال لمرشح، لذلك تقدم الأموال إلى أمريكي يتبرع باسمه. ويقول ممثلو الادعاء إن نادرًا حصل على 3.5 مليون دولار من الإماراتيين لتقديمها لخواجة من أجل اللجان السياسية التي تدعم هيلاري. لكن نادرًا دفع بأنه غير مذنب في هذه الاتهامات. وتعد حكومة الولايات المتحدة الآن خواجة شخصًا هاربًا.

Embed from Getty Images

هيلاري كلينتون 

«بقلاوة لحفل عيد ميلاد الأخت الكبيرة».. التواصل بالشفرة!

تزعم لائحة الاتهام الصادرة عن وزارة العدل أن نادرًا وخواجة استخدما رمزًا واضحًا على نحو سخيف لإخفاء حركة الأموال. كان يرمز إلى هيلاري باسم «الأخت الكبيرة»، وكانت مناسبات جمع الأموال يرمز لها باسم «حفلات أعياد ميلاد» وكانت النقود تسمى «بقلاوة». تقول عريضة الاتهام إن هذا يفسر الرسائل المتبادلة على «واتساب» بين نادر وخواجة:

نادر: «أتابع مع الأشخاص من طرفي للتأكد من وصول الأشياء الجيدة في وقت لاحق من هذا الأسبوع في توقيت مناسب للحفلة!»

خواجة: «حفلة عيد الميلاد أعدت… لأختي، وسيكون الأمر رائعًا بالنسبة لها..».

نادر: «إنها بقلاوة طازجة مصنوعة يدويًّا في الطريق، صممت خصيصًا لهذا الحدث الخاص في منزلكم في وقت لاحق!»

خواجة: «البقلاوة الصغيرة وصلت… 2.7 قطعة».

تقول عريضة الاتهام إن هذا يشير إلى تسليم 2.5 مليون يورو لشركة خواجة عن طريق حوالة مصرفية إلكترونية. ومع مضي الخطط قدمًا، لم يكن هذا بارعًا للغاية. يوافق خواجة على ما يلي: «مكتب التحقيقات الفيدرالي يحب ذلك؛ يبدو كما لو كان رمزًا، وهذا نوع من الاحتلام (المتعة) بالنسبة لهم». 

لكنه يصر على أن «البقلاوة كانت بالفعل بقلاوة». يدعي أنهم كانوا يتحدثون عن شيئين مختلفين في رسائل «واتساب»: كان نادر يجلب بقلاوة من الشرق الأوسط هدية لهيلاري، لكنه كان يمزح أيضًا حول مقدار المال الذي ما يزال مدينًا به لخواجة بشأن بوابة الدفع.

ويتابع خواجة: سألته: «لماذا تكتب لي [عن] 2.2 مليون صندوق من البقلاوة الملعونة؟ يمكنك أن تقول: أنا أرسل لك 2.2 مليون دولار، وهو المبلغ الذي أدين به لك». لم يفهم مكتب التحقيقات الاتحادي النكتة.

ويمضي قائلًا: «في عام 2016، حصلت على 43 مليون دولار. تعتقد أنني بحاجة إلى 3 ملايين دولار لعينة من هذا الرجل؟ لماذا يحتاج جورج أن يعطيني دولارًا واحدًا لكي أعطيه إلى هيلاري كلينتون؟ إنه مواطن أمريكي ويستطيع أن يفعل ذلك بنفسه. أنا أبرمت صفقة مع جورج واشترى منتجًا مني. لم أحاول أن أضغط من أجل أحد، ولم أحصل على أي أموال من زعيم أجنبي. أبدًا».

أدلة على نفوذ «خواجة» في صفوف الجمهوريين

تُظهر السجلات التي نشرتها لجنة الانتخابات الاتحادية أن خواجة يقدم تبرعات سياسية كبيرة، معظمها للديمقراطيين، ولكنه أيضًا يقدم تبرعات للجمهوريين. ويقول بول وود: في العام الماضي، رأيت أدلة على نفوذه في حفل عشاء داخل فندق ترامب في واشنطن العاصمة، عندما التقى صدفة ببعض كبار الجمهوريين. بدأت الأمسية بصف من موظفي الفندق ينحنون ويهزون أيديهم بقوة وحرارة – يعد خواجة من كبار دافعي البقشيش ويحظى بشعبية كبيرة – واقتادوه صعودًا على الدرج إلى مطعم «بي إل تي برايم»، وهو مطعم شرائح اللحم بالفندق. 

Embed from Getty Images

حصلنا على أفضل طاولة في المكان، وهي الطاولة الدائرية في الركن حيث يحب الرئيس ترامب تناول الطعام، التي تطل على الثريات الضخمة في الفندق والردهة الكهفية المكونة من تسعة طوابق. وكان خواجة يروي لي عن الترحيب الحار الذي يلقاه كلما ذهب إلى الكابيتول هيل (مقر الكونجرس).

وقال «منحت المال لنصف الناس هناك». عندئذ وصل الزعيم الجمهوري في مجلس النواب، كيفن مكارثي، واصطُحب إلى ثاني أفضل طاولة في المطعم. كان يقود مجموعة كبيرة تضم أعضاء من الكونجرس، واثنين من حكام الولايات. بدا الموقف مثيرًا للاهتمام. وقف خواجة ومكارثي لكنهما لم يتحركا، وبدلًا من ذلك، أرسلا التحيات بعضهما إلى بعض من طاولتيهما. لكن العديد من مجموعة مكارثي توجهوا إلى طاولة خواجة لتحيته. بدوا مثل صف موظفي الفندق في وقت سابق.

«يخافون مما أعرفه عنهم»

كان شغل الخواجة الشاغل في ذلك المساء هو إجراء قانوني تتخذه الحكومة الأمريكية ضد شركته «ألايد واليت». إذ اتهمت لجنة التجارة الاتحادية (إف تي سي) شركة خواجة بمساعدة المحتالين عبر الإنترنت على خداع المستهلكين. استشاط خواجة غضبًا. وقال إن شركات أخرى لمعالجة الدفع أكبر بكثير من شركته تفعل الشيء نفسه. دفعت شركة «ألايد واليت» لاحقًا للجنة التجارة الاتحادية مبلغًا مذهلًا قدره 110 ملايين دولار لتسوية القضية.

يتابع بول وود: في بيروت، أخبرني خواجة أنه يرى هذا الإجراء، والتهم الجنائية التي برزت في وقت لاحق، على أنها جزء من نمط، وأن شركة «ألايد واليت» تتعرض لهجوم خاص لأنه استعدى بعض الأشخاص الأقوياء. وهو يدَّعي أن أبو ظبي أنفقت ما بين 25 إلى 30 مليون دولار على جهود لممارسة ضغوط ضده يصل مداها إلى وزارة العدل. ويقول خواجة إن البيت الأبيض يعمل مع الإماراتيين لأنه يخاف مما يعرفه. 

ويقول خواجة: «يومًا ما، ربما أضطر إلى الإدلاء بشهادتي ضدهم، فلماذا لا يحرقونني أولًا؟». ويمضي ليخبرني بشيء قاله كثيرًا من قبل: «لقد جرى التلاعب بالقانون. أرى قضيتي مثل يوم المحاكمة؛ عندما أحضروا المسيح إلى الرومان. إنما وجهوا له اتهامًا فقط ليكون لديهم ما يصلبونه من أجله. وعلى ذلك النحو، أرى نفسي: «مسيحًا يقف في محكمة رومانية، متهمًا بأشياء لم أفعلها أبدًا».

يردف بول وود: لم يُظهِر لي خواجة أي دليل على المدفوعات السرية لحملة ترامب. لكنه يُصِرّ على أنه يتذكر ما أخبره به نادر، وأنه أعطى نادرًا الأدوات اللازمة لأداء هذه المهمة. 

هل يمكن أن يروي خواجة قصة مفصلة لمجرد صرف الانتباه عن التهم التي يواجهها؟ يقول: إنه ذهب إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي قبل عامين، قبل وقت طويل من صدور عريضة اتهام بحقه. وقالت لي شخصية عامة سابقة إن هذا صحيح: لقد ساعد خواجة في التحدث إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي. لكن، كما يقول، لم يقدم خواجة أبدًا الدليل الذي وعد به. أما مكتب التحقيقات الاتحادي فلم يعلق على هذا الأمر.

شهود يدعمون رواية «خواجة»

رغم عدم وجود دليل قوي على أن قصة خواجة حقيقية، فإن هناك شاهدين يدعمان روايته. يردف بول وود قائلًا: خلال ليلة خروجنا في بيروت، التقينا رجل أعمال آخر تعامل مع نادر في الإمارات. يتذكر هذا الرجل، الذي وصل على متن سيارة رولز رويس فضية، أن نادرًا طلب منه هو أيضًا أن يبيع له بوابة مدفوعات لبطاقات الائتمان في عام 2016، وأن نادرًا ذكر ارتباط دولة الإمارات بالأمر. ويتذكر أن نادرًا بدا مستميتًا تقريبًا في مسعاه للحصول على البوابة.

Embed from Getty Images

ويبدو أن نادرًا أخبر شخصًا واحدًا آخر على الأقل عن تبرعات الدولارات الصغيرة. وفي وقت قريب من انتخابات عام 2016، يقول صديق لنادر لمدة 30 عامًا: إنه التقى به لتناول طعام الغداء في فندق بيفرلي ويلشاير في لوس أنجلوس. وتشبه ذكريات هذا الرجل عما قاله نادر إلى حد كبير ذكريات خواجة. كذلك يقول إن نادرًا أخبره أنه يحصل على 12 مليون دولار شهريًّا من البلاط الملكي في أبو ظبي لإدارة العملية الانتخابية: «لقد وصل أخيرًا إلى يوم دفع أجره الكبير».

يكمل بول وود: في صيف عام 2018، قدمني هذا الرجل إلى نادر، وأخذني لرؤيته في أبو ظبي. أراد نادر التحدث عن إجراء مقابلة كبيرة مع شبكة تلفزيونية أمريكية لإعادة تأهيل صورته. بحلول ذلك الوقت، كان سيئ السمعة على حد سواء كشاهد في تحقيق مولر ولتاريخه الطويل من جرائم التحرش الجنسي بالأطفال. رمش بطريقةٍ ترتدي ثوب الجدية والذكاء، وقال – بالصوت المميز وعالي النبرة الذي قلده خواجة فيما بعد – يا له من إجحافٍ يخيم على ذلك الأمر برمته. لكنه لم يقل شيئًا عن الدفعات الصغيرة لحملة ترامب.

يكمل كاتب التقرير: أخبرني نادر أنه ذهب إلى البيت الأبيض «عشرات المرات» للمساعدة في ترتيب زيارة ترامب إلى الرياض. وإذا كان هذا صحيحًا، فهل كان نادر يعمل وكيلًا غير رسميّ للسعودية والإمارات؟ بعد أن رأيته في أبو ظبي، التقيت بدبلوماسي إماراتي رفيع المستوى في واشنطن العاصمة. وتذكر الدبلوماسي كيف أن نادرًا «راح يطرق في جنون باب السفارة» بعد أن اعتقله فريق مولر في المطار. لكنه قال إن الإمارات كانت حريصة على البقاء على ارتفاع «35 ألف قدم فوق الانتخابات الأمريكية» (النأي بنفسها بعيدًا عن الشبهات).

سواء كنت تصدق خواجة أو وزارة العدل، فإن كلا الروايتين للأحداث تشيران إلى استخدام الإمارات ثروتها لشراء النفوذ. غير أن قصة خواجة تدور حول مبالغ أكبر بكثير، وربما تكون كافية لترجيح الفوز في الانتخابات، ولكن كما هو الحال مع جميع مزاعم شراء الانتخابات، من المستحيل ربط الدولار مباشرة بالأصوات. 

يقول بول وود: أخبرني أحد المسؤولين السابقين في لجنة الانتخابات الاتحادية أنه وزملاءه كانوا قلقين لفترة طويلة من إمكانية استغلال القواعد المتعلقة بالتبرعات بمبالغ صغيرة من الدولار. وأخبرني آخرون مشاركون في أعمال متخصصة وعالية التقنية لتمويل الحملات بأنهم يشكون أن مثل ذلك المخطط يمكن أن ينجح. 

وتقول اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري إنها «لم ترَ أدلة» تدعم مزاعم خواجة. وأرسل المكتب الصحفي للجنة إلى بول وود بيانًا جاء فيه: «نتخذ خطوات حثيثة لضمان أن تكون التبرعات وفقًا للقانون». وتقبل اللجنة وحملة ترامب التبرعات من خلال شركة سترايب لمعالجة بطاقات الائتمان. تقول شركة سترايب إنهم يستخدمون «وسائل آلية للتعرف إلى الاحتيال».

يكمل بول وود: سألت جيريت لانسينج، الذي أدار العمليات الرقمية للحملة الوطنية للحزب الجمهوري في عام 2016، عما إذا كان يمكن إجراء الدفعات الصغيرة عبر الإنترنت بأعداد كبيرة، من حكومة أجنبية أو أي شخص آخر. أجاب لانسينج بالنص: «ترد إلينا نظرية المؤامرة هذه كثيرًا، ويمكن دحضها بسهولة». لكن خواجة يعتقد أنه يعرف أكثر من أي شخص آخر بشأن المدفوعات عبر الإنترنت، وأنه ليس من الصعب جعل التبرعات الانتخابية الاحتيالية تبدو حقيقية.

تبرعات ترامب من صغار المانحين.. شعبية هائلة أم ثغرة قانونية؟

ما تزال هناك مسألة جمع التبرعات الهائلة من المانحين الصغار لترامب. ابتكر باراك أوباما جمع التبرعات عبر الإنترنت، وفي عام 2012، قدمت التبرعات الصغيرة 28% من ميزانية حملته. وفي عام 2016، جاء 22% فقط من أموال حملة هيلاري كلينتون من المتبرعين الصغار. وفي العام ذاته، جاء 69% من جميع الأموال التي جمعتها حملة ترامب من أفراد تبرع كل منهم بأقل من 200 دولار. كذلك – وهو مقياس مختلف بعض الشيء – في ربع العام الماضي، كان 99% من المساهمين في حملة ترامب من المانحين الصغار. 

Embed from Getty Images

وجهة النظر المقبولة عمومًا هي أن الرئيس بنى حركة سياسية جديدة من القاعدة الشعبية فصاعدًا. لكن أندي خواجة لديه تفسير مختلف. وهو يعيش الآن في لبنان، مثل شخص منفي من الولايات المتحدة. ومن المفارقات أن حكومة الولايات المتحدة ألغت بطاقات الائتمان الخاصة به. ويقول إنه يعيش على «قروض من الأصدقاء».

بينما نجلس في شقة بيروت التي اشتراها لوالديه في برج فاخر من الزجاج الأزرق والأخضر يطل على المرسى، يتذكر برنامجًا تلفزيونيًّا أنتجه ذات يوم تحت اسم «عارضة تتحول إلى نجمة». (من العقل المبتكر للملياردير إمبراطور المدفوعات، أندي خواجة، يخرج عرضًا واقعيًّا جديدًا يجمع ما يقرب من 100 نموذج من جميع أنحاء العالم معًا).

كان مُحَكِّما في العرض، بالطبع، وتحدث عن النماذج في مقطع فيديو ترويجي، قائلًا: «أريد أن أدللهن بالطريقة نفسها التي أدلل بها نفسي. الحياة هي رحلة إلى النور، وليس إلى الظلام. أنت تعرف أنني منذ 25 عامًا لم أكن غنيًّا أيضًا. كنت أكافح لكي أتناول طعامي (من) علبة السردين في الليل، ولكن انظر إلى أين وصلت اليوم: أنا أعيش حياة مرفهة مثل عِلية القوم».  

الآن، يحمل خواجة لقبًا جديدًا للبرنامج الواقعي الذي يمثل حياته وهو: «كاشف الفساد» (نافخ الصافرة). 

حين يُسأل: «كيف تحب هذا اللقب؟ يقول: أنا كاشف الفساد يا بول.. كاشف الفساد. كاشف الفساد الذي كشف عن تدخل حكومات أجنبية في انتخاباتنا، ووجه إليه اتهام من أجل التستر على إدارة ترامب. لقد اتهم زورًا ووجهت إليه اتهامات… إنها عملية خنق، عملية نقطة الاختناق. من البداية إلى النهاية. تخلص منه. اقتله. حاولوا تلفيق تهمة سيئة للغاية لي. لكني في نهاية اليوم، أنام ليلًا هانئًا مثل طفل. لأنني أعلم أنني لم أفعل أي شيء. أنا كاشف الفساد».

«فورين أفيرز»: على طريقة هتلر وماو.. كيف ما زال الطغاة يشكلون تاريخ بلادهم؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد