تسعى الشرطة التونسية على مدار الأعوام الأخيرة لترميم نفوذها الأمني والسياسي المفقود في سنوات ما بعد ثورة الياسمين، واستعادة هيبتها باعتبارها جهازًا شرطيًّا مثلما كانت خط الدفاع الأول عن السلطة أيام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، عبر الاعتقالات وفض الاحتجاجات بالعنف وقنابل الغاز المسيل للدموع.

محاولات الشرطة التونسية لاستعادة بعض من هذا النفوذ المفقود خلال المرحلة الحالية شملت محطات تسارعت وتيرتها في الشهور الأخيرة كان أبرزها تمرير «قانون الزجر»، الذي يمنح قوات الأمن سلطات واسعة، وصلاحيات يراها البعض مطلقة دون رقيب على ممارساتها، إذ يجعل من رجال الشرطة رقباء على أنفسهم دون تدخل من أي جهة تشريعية أخرى.

يحاول التقرير التالي التعرف على محاولات الشرطة التونسية لاستعادة نفوذها المفقود، وأبرز محطاتها نحو تحقيق هذا المسعى، وما هي الخلفيات التي تحاول من خلالها شرعنة هذا النفوذ التي تحاول اكتسابه.

العصا ترفع من جديد في وجه المتظاهرين

خلال السنوات الأخيرة، بدأ الجهاز الشرطي التونسي سلسلة محاولات لإعادة تمركزه بوصفه كيانًا محصنًا من المساءلة داخل منظومة الحُكم الجديد، وسط شهادات تتحدث عن تجاوزات بعض أفراده بحق مدنيين في وقائع مختلفة.

آخر هذه الوقائع كانت في جنوب تونس، بعد فض عناصر الأمن لوقفة احتجاجية على سوء الأحوال الاقتصادية، بمدينة تطاوين جنوب تونس في يونيو (آذار) الماضي، بالرصاص الحي وقنابل الغاز المسيل للدموع والضرب بالعصي، قبل القبض على العشرات منهم والزج بهم في السجون.

كان التحول الأبرز في مسعى الشرطة التونسية لتحصين نفسها وتوسيع سلطاتها هو  النجاح في مد حالة الطوارئ التي تسري منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، والتي هيأت الظروف لممارساتها التي اتهمها البعض بغير القانونية.

أحد النماذج لهذه الممارسات هي اعتقال مدونين تونسيين في جُنح الليل بتهمة «إحداث الهرج والتشويش»، بتهمة «إحداث الهرج والتشويش»، بسبب مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي تنتقد السياسات الحكومية في مكافحة الوباء.

الانتقادات للشرطة التونسية تضمنت كذلك استخدام العنف غير المُبرر بحق المحتجين الذي وصل إلى «القتل العمد» في بعض الحالات كان أبرزها واقعة مُشجع نادي الأفريقي التونسي عمر العبيدي، البالغ من العمر 19 عامًا، بحسب شهادات أصدقائه التي كذبتها الرواية الأمنية.

وبدأت الواقعة، بحسب هذه الشهادات، بعد مطاردته من جانب قوات الأمن عقب مبارة كرة قدم بتهمة «إثارة الشغب»، حتى تُوفي غرقًا بعد أن دفعه أفراد الشرطة في أحد الأنهار بالرغم من توسلاته بأنه لا يجيد السباحة.

ويعزز من هذه الشهادات تقرير الطب الشرعي الذي أكد وجود «آثار عنف» على جسد عمر العبيدي، دون أن يُعطي تفاصيل حول مصدرها، بينما انتهت القضية بتوجيه تهم «ضعيفة جدًا ولا ترقى لحجم الجرم» لأفراد الشرطة التونسية ممن تم تبرئتهم، بحسب محامي العبيدي. 

وبحسب تقرير بعنوان «عندما يكون الفرار من أعوان الأمن قاتلًا»، أصدرته منظمة العفو الدولية، فقد وثقت بعض من تجاوزات عدد من أفراد الشرطة التي شملت «أعمال القتل عير المشروع والتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة. كما أكدت على إفلات أفراد الأمن من العقاب عن هذه الانتهاكات.

المظهر الهام لهذا النفوذ الواسع هو توسع أدوار النقابات الأمنية، التي تأسست بعد ثورة الياسمين، بمرسوم حكومي، إبان حكومة الراحل الباجي قايد السبسي، والتي نصت على «حق قوات الأمن الداخلي في ممارسة العمل النقابي، ويمكن لهم تكوين نقابات مهنية مستقلة عن سائر النقابات المهنية واتحاداتها».

ومارست هذه النقابات ضغوطات واسعة على الحكومة ولانتزاع عدد من الصلاحيات ومزيد من السلطات لصالح رجال الشرطة بطرق ضغط متنوعة، كتفعيل القانون الأساسي الخاص بحقوق الأمنيين وحمايتهم.

كما ضغطت أكبر نقابة لعناصر قوات الأمن التونسية على الحكومة والسلطات القضائية بعدم حضور جلسات محاكمة بعض منهم في انتهاكات حقوقية، وقالت إن المحاكمات «ذات طابع انتقامي». كما أحجمت وزارة الداخلية عن تنفيذ أوامر المحكمة بمثول المشتبه فيهم أمامها في الجلسات.

من جانبه، قال محمد اليوسفي، الباحث الحقوقي، عضو المكتب التنفيذي لنقابة الصحفيين التونسيين، في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست» أن هذه الوقائع لا تمنع من الإشارة إلى وجود إرادة سياسية وتشريعية من قبل بعض الفاعلين الحزبيين ونقابات أمنية لإعادة تركيز أسس من شأنها أن تسقط البلاد مجددًا في مربع الدولة البوليسية، موضحًا أن هناك تجاوزات من قبل بعض النقابات الأمنية ومنظوريها من الأمنيين، وهي حقيقة مفزعة خاصة في ظل تفشي مظاهر الإفلات من المحاسبة والعقاب.

قانون الزجر.. التشريع الذي يُحصن الشرطة التونسية مدى الحياة

سعي الشرطة التونسية نحو تعزيز موقعها باعتبارها جهة مؤثرة في منظومة الحكم الجديدة، وجهازًا أمنيًّا يستعيد بعضًا من نفوذه وامتيازاته، دفعها لخوض معركة انتزاع حصانة قانونية لأفرادها، وحمايتهم من أي مسؤولية جنائية عن استخدام القوة والعنف.

كانت المحطة الأبرز في هذه المعركة تقديم النقابات الأمنية لمشروع قانون للبرلمان، الذي لا يزال البرلمان يناقشه، «يحمي أفراد الأمن من أي مسؤولية جنائية عن استخدام القوة المميتة لحماية المنشآت الأمنية، ويمنح الحق لهم في المعاقبة بالسجن من ثلاثة أشهر إلى ثلاثة أعوام لكل من تعمد المس من كرامة وسمعة قوات الأمن الداخلي والديوانة».

ويتضمن القانون عقوبات مشددة لجرائم بعبارات فضفاضة مثل «المساس بكرامة القوات الحاملة للسلاح»، كما يضع قيودًا على الحق في التظاهر والتجمع السلمي. والقانون الذي تغير اسمه من «قانون الزجر» ليصبح «قانون حماية القوات الأمن الداخلي والديوانة» ويهدف «لحماية أعوان القوات المُسلحة من الاعتداءات التي تهدد سلامتهم»، شمل كُل من الأعوان الحاملين للسلاح، والتابعين للقوات المسلحة العسكرية، وقوات الأمن الداخلي والديوانة.

وينسحب مشروع القانون على سلك الأمن الوطني، والشرطة الوطنية، وسلك الحرس الوطني، وأعوان أمن رئيس أمن الدولة، واعتبرت منظمة «أنا يقظ» التونسية قانون حماية القوات الأمن الداخلي والديوانة «سابقة خطيرة»، محملة المسؤولية للنواب والأحزاب في صورة المصادقة عليه «لما يمثّله من مساس بالحريّات العامة والخاصة وتقنين للإفلات من العقاب».

ومر مشروع القانون منذ عرضه على البرلمان للمرة الأولى عام 2015 بمحطات تعديل في بعض فصوله، حتى صادقت عليه لجنة التشريع العام في البرلمان، في الرابع والعشرين من شهر يونيو (حزيران) 2020، وينتظر التصديق الأخير في الأيام المُقبلة.

ويُسقط الفصل السابع المسؤولية الجزائية عن الشرطي إذا نتج عن استخدامه للقوة أضرار مادية أو بدنية أو الوفاة، كما يشترط حتمية استخدام «القوة المناسبة» أمام التعرض لـ«وضعية مباغتة بسبب مواجهته لخطر محدق وجسيم ناتج عن اعتداء خاص أمامه أو على وشك الحصول على الأشخاص والمنشآت الأمنية».

وقوبل القانون بانتقادات واسعة من جانب المنظمات الحقوقية التونسية كالرابطة التونسية لحقوق الإنسان التي رأت التصديق النهائي عليه «يؤشر إلى عودة الاستبداد وعقلية الدولة البوليسية وسيفاقم من آفة الإفلات من العقاب التي يعاني منها التونسيون تجاه الممارسات الأمنية الخارجة عن القانون».

وتواجه قوات الأمن والنقابات الممثلة لهم الانتقادات الواسعة لهم للقانون بحملة دفاع مضادة عبر تهيئة الرأي العام بأن تمرير هذا المشروع سينعكس على مستوى أمان المواطن، بما يعود بالنفع والإيجاب عليهم وعلى أمن وسلامة الوطن في ظل «ما يتعرضون إليه من اعتداءات يومية وكذلك من مخاطر بما فيها الأمراض الوبائية التي تجتاح البلاد تستدعي الإسراع في سن قانون يكفل ويضمن الحماية الضرورية لرجال الأمن».

ودعم مسعى الشرطة التونسية تمرير القانون تأييد السلطة التنفيذية ممثلة في رئيس الحكومة هشام المشيشي الذي أكد «أن حماية الأمنيين تعد أولوية مطلقة سواء من خلال التشريعات أو من خلال توفير كافة التجهيزات التي تمكنهم من القيام بعملهم في أفضل الظروف معربًا عن أمله في تسريع مناقشة مشروع قانون زجر الاعتداءات على الأمنيين».

ما وراء البحث عن الحصانة والنفوذ وكُل شيء

دفع الاستقطاب السياسي والتجاذبات المستمرة بين الجهات الممثلة للسلطة خلال الأعوام الأخيرة جهاز الشرطة التونسية للبحث عن مكتسبات مادية وتشريعية، تتجاوز مهامه المنصوص عليها في الدستور، والتي عززتها استعادة النقابات الأمنية فاعليتها في العمل النقابي والضغط المستمر.

وساهم في تسريع وتيرة هذه المحاولات سلسلة الأحداث التي نفذتها الجماعات المتشددة بعدد من المدن التونسية في الأعوام الأخيرة، التي هيأت الظرف السياسي لضغط الشرطة التونسية من أجل نزع مزيد من النفوذ بمسوغ حماية الأمن القومي للبلاد من خطر الإرهاب الذي يُداهم الدولة العربية.

من جانبها، قالت شيراز بنت مراد، رئيسة تحرير صحيفة الجمهورية التونسية، في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست» أن الظروف التي ساهمت في عودة الشرطة التونسية لاستخدام أدواتها القديم سببان رئيسيان أولهما بحسبها «الأحداث الإرهابية» التي عرفتها البلاد منذ 2012 تقريبًا، والتي تواصلت منذ ذلك التاريخ، ومطالبة الأمنيين بالحماية وبإقرار فصول تضمن حقوقهم وجقوق عائلاتهم من الهجمات وهو حادث مستجد نوعًا ما بعد الثورة.

أما العنصر الثاني، بحسب الصحافية التونسية، يتمثل في تواجد نقابات أمنية لها مطلبية بالنسبة للحقوق المادية والمعنوية لمنخرطيها، وهي نقابات تم بعثها بعد الثورة وطبعًا رفعت من سقف مطالبها على مر السنين التي مضت.

وتتفق بنت مراد مع الرأي القائل بأن الانطباعات والمخاوف من عودة الاستبداد من خلال الجهاز الأمني «حقيقية» وليس «مبالغًا» فيها، مبررة ذلك بمشروع القانون «المخيف» بحسبها، الذي يتضمن فصولًا مهددة لحرية إبداء الرأي والتعبير، ولو أنه يتضمن أيضًا فصولًا تحمي أعوان الأمن خلال مباشرتهم لعملهم.

أحد أسباب استعادة الشرطة التونسية أساليبها القديمة لها علاقة بعملية الإصلاح «القصيرة زمنيًا» والتي لم تراع كافة الجوانب المطلوبة في مشكل التكوين سواء التشريعي أو التربوي لمعاونين الأمن، بحسب الصحافية التونسية، التي تؤكد أن ستة اشهر فقط للتكوين بالنسبة لأعوان الأمن «غير كافية»، ولا تؤهل لتخريج شرطي يفهم حقوقه وواجباته بشكل جيد.

الربيع العربي

منذ سنة واحدة
هل ما زالت شرطة بن علي تعبث في تونس؟

فيما يُعدد اليوسفي، الباحث المختص بحقوق الإنسان، بعضًا من الخطوات اللازم اتباعها للحيلولة دون تحول الشرطة التونسية لأداة للاستبداد السياسي، ويقول إنه لا يجب أن يكون هناك تواطؤ أو صمت سياسي مع التجاوزات التي تحصل في بعض مخافر الشرطة أو من قبل بعض الأمنيين، ويؤكد أن فرد الأمن له حقوق وعليه واجبات وبالتالي من المهم وضع سياسة واضحة للدولة ضمن معادلة قوامها مفهوم الأمن الجمهوري الذي لا ولاء له إلا للوطن وللدستور والقانون.

ويطالب، عضو المكتب التنفيذي لنقابة الصحفيين، مجلس نواب الشعب أن يلعب دوره الرقابي كذلك التفقدية العامة بوزارة الداخلية وإدارة حقوق الإنسان في نفس المؤسسة، مؤكدًا على ضرورة العمل على تطوير منظومة تكوين الأمنيين لا سيما الشبان بشكل يتماشى والمسار الديمقراطي في تونس ما بعد الثورة.

المصادر

تحميل المزيد