ارتفعت صادرات الدفاع وصناعات الطيران المدني التركية في عام 2018 بنسبة 17% مقارنة بالعام السابق، حيث بلغت 2.035 مليار دولار، وفق البيانات التي أعلن عنها رئيس «مؤسسة الصناعات الدفاعية التركية»، إسماعيل دمير، مطلع العام الجاري.

وبينما حققت مبيعات الأسلحة العالمية نموًا بنسبة 7.8% في الفترة ما بين 2014-2018، مقارنة بالسنوات الخمس السابقة 2009-2013، زادت صادرات الأسلحة التركية بنسبة 170% في الفترة ذاتها، ما يضع أنقرة في المرتبة 14 بين العواصم الأكثر تصديرًا للأسلحة في العالم، وفق تقرير «معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)».

وزادت مبيعات الأسلحة التركية إلى 364 مليون دولار في عام 2018، من 245 مليون دولار في عام 2017. وبلغ متوسط مبيعات تركيا من الأسلحة 96.52 مليون دولار من عام 1980 حتى عام 2018، ووصل إلى أعلى مستوى له على الإطلاق عند سقف 364 مليون دولار في عام 2018، وكان أدنى مستوى قياسي له ثلاثة ملايين دولار في عام 1995، بحسب بيانات موقع «تريدينج إيكونوميكس».

«رؤية 2023».. حلم طموح لزيادة الصادرات

منذ وصول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى سدة الحكم، جعل من تنمية صناعة الدفاع هدفًا طويل الأجل. وفي ظل متابعة مباشرة من الرئاسة، أصبح حوالي 65% من هذا القطاع مُصَنَّعًا محليًا، مقارنة بـ20% عندما صعد أردوغان إلى السلطة في عام 2003.

تأتي هذه الطفرة تطبيقًا لطموحات خطة التنمية الوطنية «رؤية 2023»، التي تسهم الشركات العامة والخاصة فيها بنصيب كبير، من خلال الاستثمار بكثافة في أنشطة البحث والتطوير، ودعم جهود الحكومة التركية لتنويع منتجاتها في صناعة الدفاع، وهو ما تُوِّج بزيادة عدد العناصر المدرجة على قائمة صادرات الأسلحة إلى 244 في عام 2018 مقارنة بـ70 في عام 2010.

ولا تقف الطموحات التركية عند هذا الحد، بل تهدف أنقرة إلى تصدير منتجات عسكرية دفاعية تتجاوز قيمتها 3 مليارات دولار خلال عام 2019، ورفع سقف صادراتها الدفاعية والفضائية إلى 25 مليار دولار سنويًا بحلول عام 2023، مدعومة بجهود حثيثة تبذلها الشركات التركية لتطوير أنظمة قتالية وأسلحة موجهة.

على رأس هذه المؤسسات التركية، تأتي شركة «أسيلسان» للأسلحة الدفاعية، والشركة التركية لصناعات الفضاء «TAI»، اللتان أدرجهما تقرير سابق لـ«معهد ستوكهولم» من بين أفضل 100 شركة في سوق الأسلحة والدفاع العالمي، إلى جانب شركة «هافيلسان» للدفاعات الجوّية والبرمجيات، وشركة «روكيتسان» لإنتاج منظومات القذائف والصواريخ الحربية.

مترجم: هكذا خسرت أمريكا في «لعبتها» أمام تركيا

العربات المدرعة.. فخر الصناعات الدفاعية التركية

كانت مبيعات العربات المدرعة ذات العجلات هي العمود الفقري لصادرات الدفاع التركية خلال العقد الماضي، إلى جانب المركبات الجوية بدون طيار والمروحيات وأنظمة الدفاع الجوي وأسلحة الحرب المضادة للغواصات والمدفعية والمحركات والصواريخ والمستشعرات والأقمار الصناعية والسفن وغيرها، وفق البيانات المُحَدَّثة في أغسطس (آب) 2019.

وباعت تركيا مئات المدرعات المضادة للألغام من طراز «كيربي»– تصميم وإنتاج مصنع «BMC»- إلى تونس وتركمانستان، وصدَّرت حاملات جنود مدرعة من طراز «كوبرا» -تصنيع شركة «أوتوكار»- إلى العديد من الدول مثل البحرين وبنجلاديش وموريتانيا ورواندا.

وكانت تونس أول دولة تستورد مدرعة «التنين يالتشين» التركية متعددة الاستخدامات، من إنتاج شركة «نورول» التركية المساهمة لصناعة الآليات، في سبتمبر 2017، بعدما اجتازت اختبارات قاسية لمدة أسبوعين في الصحراء التونسية متخطية مدرعات منافسة من دول أخرى مثل فرنسا.

مدرعة تركية مصنعة محليًا

وتُستَخدَم «التنين يالتشين» في مراقبة الحدود، وعمليات الاستطلاع، ونقل وإطلاق صواريخ تكتيكية، والكشف عن الإشعاعات الكيميائية والبيولوجية والنووية، ورصد وتدمير الألغام والعبوات الناسفة، وعربة قيادة وتحكم، ودفاع جوي، وآلية قتالية، وعربة نقل جنود، وسيارة إسعاف مدرعة، كما توفر حماية عالية ضد التهديدات الباليستية، وانفجارات الألغام والعبوات الناسفة.

وفي حفل مهيب استضافته العاصمة طشقند، دخلت المدرعة «التنين يالتشين» الخدمة رسميًا في القوات المسلحة الأوزبكية، في الثالث من أغسطس (آب) 2019، بموجب مذكرة تفاهم وقعها الرئيس الأوزبكي شوكت ميرضيائيف خلال زيارته إلى تركيا في أكتوبر (تشرين الأول) 2017ـ

واتفقت تركيا وأوزبكستان أيضًا على بدء تنفيذ اتفاق عسكري لإنتاج ألف مدرعة من نوع «التنين» بالتعاون بين شركت «نورول ماكينا» التركية و«أوز أوتو» الأوزبكية، في مصنع تابع للشركة التركية على الأراضي الأوزبكية، وهو ما يسهم في انفتاح الصناعات الدفاعية التركية على الأسواق الآسيوية.

إلى جانب ذلك، تبذل الصناعات الدفاعية التركية جهودًا كبيرة لتطوير مدرعات أخرى قادرة على المنافسة في الأسواق العالمية، مثل:

  • مدرعة «سامور» البرمائية، من إنتاج شركة «إف إن إس إس» التركية للصناعات الدفاعية، قادرة على التحوُّل إلى جسر عائم تجتاز عبرها المركبات العسكرية الأنهار والمستنقعات التي تعترضها. وبعدما استغنت تركيا عن الاستيراد من الألمان أصحاب الاختصاص في هذا المجال حول العالم، تستهدف الشركة المصنعة تصدير «سامور» إلى دول أخرى، بعد أن حققت الاكتفاء الذاتي للجيش التركي.
  • حاملة الجنود المدرعة «أورال سوف» رباعية الدفع، من إنتاج شركة «أوتوكار» للصناعات الدفاعية، توفر الحماية ضد التهديدات الباليستية وانفجارات الألغام والعبوات الناسفة، ويمكن تزويدها بمدفع رشاش عيار 12.7 ملم على السقف، ومدفع رشاش عيار 7.62 ملم في الأمام والخلف، ما يجعلها خيارًا مناسبًا للمهام التكتيكية والاستطلاع العميق.
  • المدرعة القتالية «الفهد بارس 3» ثمانية الدفع، عرضتها مجموعة «FNSS» التركية للصناعات الدفاعية أول مرة خلال المعرض الدولي لتكنولوجيا الدفاع ومنع الكوارث «SITDEF 2019» الذي أقيم في العاصمة البيروفية ليما. بإمكان المدرعة اجتياز الحواجز بطول 70 سم، والخنادق بعمق 200 سم، وتمتلك مخزن وقود بديل أسفل الدرع للاستخدام في الحالات الطارئة، كما زودت بنابض هوائي معلق مستقل، وكاميرتان حراريتان في الأمام والخلف، فضلاً عن كاميرتين بصريتين في الأمام والخلف، بما يعزز الوعي الظرفي الداخلي.
  • وكان الجيش الماليزي قد اشترى 257 مدرعة من طراز «AV8»، مصممة وفق نموذج بارس ثمانية الدفع، بينما اتفق الجيش العماني مع المجموعة التركية لشراء 172 مدرعة من طراز «بارس 3» سداسية وثمانية الدفع.
  • المصفحة «أمازون»، طورتها شركة «بي إم سي» التركية للصناعات الدفاعية لتصبح ذاتية القيادة بالكامل، وتلبي المواصفات الدولية لمقاييس التصفيح، في مقاومة الألغام والعبوات الناسفة، وتتمتع بقدرات كبيرة في المناورة والحركة. زودت المركبة بنظام قيادة إلكتروني، يستطيع رسم الخرائط واستيعاب المحيط الجغرافي (الوعي البيئي) استنادًا على الذكاء الاصطناعي، وبفضله ستكون قادرة على تحديد مسارها والوصول لهدفها دون التحكم بها عن بعد، مع قابلية التحكم بها عن بعد وقت الحاجة.
  • مدرعة «يوروك» من إنتاج شركة «نورول» مصممة لمقاومة انفجار بقوة ستة كيلو جرامات من مادة «TNT»، وزودتها شركة «أسلسان» التركية بأنظمة دفاعية.
  • «العقرب 2» أول مدرعة كهربائية رباعية الدفع مصنعة بالكامل بإمكانات محلية بأيادي خبراء شركة «أوتوكار»، عرضتها تركيا في النسخة 14 للمعرض الدولي للصناعات الدفاعية التي استضافتها مدينة إسطنبول في الفترة من 30 أبريل (نيسان) وحتى 3 مايو  (أيار) 2019. هذه المدرعة الكهربائية مجهزة لتلبية احتياجات الكشف والمراقبة والرمي، ويمكن دمج طائرات دون طيار أو روبوتات فيها، وهي مصممة للعمل بالطاقة الكهربائية وبالديزل. ومن المتوقع أن تكون فاتحة لتطبيق تكنولوجيا المركبات الكهربائية على مثيلاتها العسكرية، وخطوة أولى في مجال المركبات الكهربائية والهجينة والذاتية.

 

لكن أنقرة لا تناطح العمالقة

صحيحٌ أن الصادرات التركية تعتمد حتى الآن على أنظمة بسيطة وغير مُكلفة نسبيًا، ولا تختلف كثيرًا عن المنتجات التي تضخها العديد من الشركات حول العالم العالم في سوق مزدحم، إلا أن عقود التصدير الموقعة خلال العام الماضي، والمنتجات الجديدة التي تتطلع إلى المنافسة في الأسواق العالمية، تعكس قدرة متنامية لصناعة الدفاع التركية.

ورغم وجود ثغرات تصنيعية في منتجات الدفع البحري (النظام المستخدم لتوليد قوة الدفع لتحريك سفينة أو قارب عبر المياه) والجوي والرادارات، إلا أن الخطوات التركية حثيثة في مجال تصنيع الفرقاطات وطائرات الهليكوبتر الهجومية والمركبات الجوية المسلحة غير المأهولة، وهي قطاعات أكثر تعقيدًا مقارنة بإنتاج العربات المدرعة، وتتطلب سلسلة إمداد أكبر، فضلًا عن خدمات لوجستية، ودعم ما بعد البيع.

وتدرك تركيا أنها لا تستطيع مناطحة الولايات المتحدة وروسيا، اللتين تهيمنان على سوق الأسلحة ولديهما التكنولوجيا اللازمة لصنع الطائرات المقاتلة وأنظمة الصواريخ التي لا تستطيع تركيا تصنيعها، لذلك قررت أنقرة المنافسة في الفئة الثانية التي تضم الصينيين والبريطانيين والألمان والفرنسيين.

وإذا كانت المتغيرات التي طرأت على قطاع الدفاع التركي خلال السنوات الأخيرة جديرة بالاهتمام، فإن قاعدة العملاء أيضًا تستحق التأمل: من بين 13 دولة أعلنت تركيا عن تسليمها عربات مصفحة منذ عام 2010، توجد 11 دولة مسلمة وصديقة دبلوماسيًا، مثل: البحرين وتونس وتركمانستان.

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان

وبالمثل، فإن التعاقدات الرئيسية التي وقعتها تركيا خلال العام الماضي 2018 كانت أيضًا مع حلفاء قدامى، مثل: باكستان وقطر. هذا الجسر الممتد مع العالم الإسلامي يضمن لتركيا وجهات تصديرية أكثر أمنًا، وأقل تأثرًا بالتوترات التي تهيمن حاليًا على العلاقات مع أوروبا والولايات المتحدة.

لكن على الجانب الآخر، ثمة نقطة ضعف كامنة في تركيز الصادرات الدفاعية التركية على الدول الإسلامية، تتمثل في عدم وجود موطئ قدم راسخة في بقية الأسواق حول العالم، حيث لم تؤَمِّن تركيا حتى الآن أي صادرات دفاعية مهمة للدول الأعضاء في حلف الناتو، على سبيل المثال.

هذا لا ينفي تقدُّم تركيا السريع في إنتاج الأسلحة وتصديرها، حيث استطاعت خلال السنوات الخمس الماضية تصدير الأسلحة ومعدات الطيران ومركبات الدفاع عالية التقنية إلى الولايات المتحدة وألمانيا وهولندا إلى جانب تركمانستان والإمارات والسعودية وقطر وعمان.

كما تسعى أنقرة لتطوير علاقات قوية مع مستوردي الأسلحة الإقليميين والعالميين من أجل تنويع أسواقها. وبالإضافة إلى الفوائد الاقتصادية والعسكرية الكبيرة، سيسهم هذا التنوُّع في تحقيق أهداف السياسة الخارجية التركية التي لا تقل طموحًا، بحسب إسماعيل نعمان تلجي، نائب مدير «معهد الشرق الأوسط (ORMER)» والأستاذ المساعد في جامعة ساكاريا.

من اللافت أيضًا أن العديد من المنصات التي تدخل الخدمة حاليًا في القوات المسلحة التركية إما مُنتَجَة بموجب رخصة أو مستوردة، لكن وفقًا للمؤشرات الحالية، يُتَوَقَّع أن ترتفع نسبة المعدات المنتجة محليًا على مدار العقدين المقبلين، وربما تشق بعض هذه الأنظمة طريقها نحو التصدير.

هل تصمد تركيا بوجه العراقيل؟

إلى جانب ذلك، لا تزال صناعة الدفاع والفضاء التركية تواجه بعض التحديات التي رصدها «المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS)»، مثل: انخفاض قيمة الليرة، وشبح الركود المحدق بالاقتصاد. وإذا تفاقم التباطؤ الاقتصادي، ستضطر تركيًا حتمًا إلى مراجعة نفقات الدفاع والبرامج الحكومية المكلفة الأخرى، وستصطدم الطموحات التركية بصعوبات تعرقل مسيرتها نحو مضاعفة عدد العاملين في صناعة الدفاع بمقدار ثلاثة أضعاف تقريبًا.

تحدٍ آخر سلطت عليه الأضواء مؤخرًا، هو «هجرة الأدمغة»، نتيجة انتقال العمال الشباب المهرة من صناعة الدفاع التركية إلى الشركات الأجنبية، التي عادة ما تكون في أوروبا والولايات المتحدة، بحثًا عن رواتب أعلى وظروف أفضل.

لمواجهة هذا «النزيف»، أعلن وزير الصناعة والتكنولوجيا التركي مصطفى ورانك عن تقديم حوافز سخية لجذب الباحثين في مجال العلوم والتكنولوجيا إلى الجامعات التركية. وبالفعل جذب البرنامج علماء بارزين من جامعات عالمية رائدة وشركات ومعاهد مرموقة في عشرات الدول، أبرزها الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا.

كما أن توتر العلاقات مع الولايات المتحدة والموردين الآخرين، خاصة بعد إتمام صفقة منظومة الدفاع الجوي الروسية «إس-400»، قد يزيد صعوبة حصول تركيا على أنظمة فرعية أجنبية لتجهيز المنصات المنتجة محليًا والتي تحاول تصديرها، مثلما أعاقت مشكلات التراخيص الأمريكية بيع طائرات هليكوبتر إلى باكستان مؤخرًا.

لكن هذا التحدي قد يكون بداية انطلاقة جديدة لصناعة الدفاع التركية، مثلما حدث عقب حظر الأسلحة الذي فرضه الكونجرس في عام 1974، على خلفية الأزمة القبرصية. وبعدما كانت تركيا تعتمد بالكامل تقريبًا على الناتو وغيره من المنتجين الأجانب لبناء جيشها، وجدت تركيا فجأة نفسها في وضع غير مستقر. وكانت هذه نقطة تحوُّل دفعت أنقرة إلى تطوير صناعتها الدفاعية الوطنية، لتقليل اعتمادها على الموردين الأجانب، وتلبية احتياجات قواتها المسلحة محليًا.

وبالتأكيد لم ينسَ الأتراك هذا الموقف الأمريكي، وترجح بولنت أليريزا، مدير مشروع تركيا في «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية»، أن تعزز أزمة برنامج «إف-35» التصوُّر بأن تركيا لا يمكن أن تستمر في الاعتماد على الولايات المتحدة، ولا بد من تطوير صناعة دفاعية محلية لا تخضع لأهواء الكونجرس.

بعد 8 سنوات من الثورة.. هل حان موعد اندلاع مواجهة بين الأسد وتركيا؟

 

المصادر

عرض التعليقات
s