يتمنى أطراف أي خلاف سياسي في المناطق التي تدور في الفلك الاستراتيجي الأمريكي تدخلها في الصراع الدائر، وكل طرف يتمنى أن يكون التدخل لصالحه، عله يسرع حسم المسائل. الليبيون، والفاعلون الرئيسيون على الساحة الليبية من حلفاء الولايات المتحدة على تعارض مصالحهم هناك. الكل يدفع لأن تأخذ إدارة ترامب دورًا أكثر فاعلية بخصوص الملف الليبي.

لكن الرجل في تصريحه الشهير عام 2017، مع رئيس الوزراء الإيطالي السابق باولو جينتيلوني حين طلب منه دورًا أكبر في الملف الليبي قال أنه لا يرى «دورًا لأمريكا في ليبيا». وأضاف أن الولايات المتحدة «تقوم حاليًا بالعديد من الأدوار بما فيه الكفاية في أماكن مختلفة من العالم». ومع إلحاح الحلفاء على ضرورة التدخل لما فيه من نفع لمصالحهم ولما يروا أنه مصالح أمريكية أيضًا على السواء، وضح الرجل مرة أخرى أن الدور الأمريكي هناك يقتصر على محاربة الإرهاب، والجماعات المسلحة فقط.

الخوض في بحر تحليلات مراكز الدراسات حول الدور الأمريكي هناك، أو قراءة مئات المقالات عن الموضوع ستقودك كلها إلى وجهات نظر متباينة حول لماذا ترى الولايات المتحدة مندفعة في الملف الليبي، كما كان الوضع في عهد أوباما، الذي دفع لاستصدار القرار رقم 1970 من مجلس الأمن ممهدًا لإسقاط الدكتاتورية الليبية وشن حرب ضد القذافي، وإلى وجهات نظر أخرى تحاول فهم سبب إعراض إدارة ترامب غير المفهوم عن الملف الليبي، والاكتفاء بالحفاظ على الوضع كما هو عليه. فكيف نفهم الدور الأمريكي في الملف الليبي؟ ما هي منطلقات الإدارة الأمريكية في التعاطي مع الصراع الدائر في ليبيا؟ وما هو الموقع الذي تعطيه إدارة ترامب لليبيا في سياستها الخارجية؟

اسمع من أمريكا بخصوص ليبيا ولا تسمع عنها

دع عنك سيل التحليلات، وحبر الصفحات الإخبارية في الموضوع ولنر ونسمع ماذا يقول الأمريكيون أنفسهم حول الأزمة الليبية. لنعود قليلاً إلى الوراء في الوقت. تحديدًا إلى الثالث عشر من ديسمبر (كانون الأول) عام 2018. كانت الثلوج تتساقط بكثافة على مباني واشنطن العاصمة وشوارعها، وتنذر بإغلاق الطرق حين كانت إحدى السيارات الرئاسية تشق التراكمات الثلجية مساء ذلك اليوم باتجاه عنوان محدد في العاصمة؛ شارع ماساتشوستس 214. ترجل من السيارة رجل ذو بشرة بيضاء، وحاجبين كثيفين وشارب كث أبيض أمام مبنى طويل، مقوس الواجهة، ولديه شيء مهم ليقوله للعالم بخصوص القضايا الأفريقية المختلفة ومنها الليبية.

حتى تتخلص الإدارة الأمريكية من ضغوط الحلفاء للتدخل في بقاع مختلفة كل لمصلحته لكن باستخدام الرافعة الأمريكية. ولأن بالنسبة لترامب وإدارته، كما أعلن أكثر من مرة، أن عهد ما اعتبره «الشهامة والنخوة» الأمريكية المجانية قد ولى بلا رجعة، وأن من يحتاج للمساعدة الأمريكية فعليه أن يدفع. لذا كانت أمسية سياسية بامتياز لتضع النقاط على الحروف. ولتوضح للجميع ما الذي تريده الإدارة الأمريكية الجديدة من أفريقيا.

خلال 50 دقيقة من الحديث المتواصل عرض مستشار الأمن الوطني الأمريكي جون بولتون في قاعة محاضرات المركز الفكري المحافظ الأكثر تأثيرًا في رسم السياسات الأمريكية الداخلية والخارجية «Heritage Foundation» ما عرف حينها بـ«استراتيجية جديدة لأفريقيا» أمام 52 وسيلة إعلامية، و16 كاميرا تلفزيونية. لتنشر أثناء حديثه فقط 65 مادة صحافية، وفي صباح اليوم التالي كان العرض الذي قدمه للاستراتيجية الأمريكية الجديدة في أفريقيا قد حصد 20 ألف تغريدة على تويتر شكلت ترند ذلك اليوم بحسب تصريحات Heritage نفسها.

ولنوفر عليك قرابة الساعة من الاستماع للمحاضرة، والكثير من دقائق القراءة، نورد لك ما قاله ملخصًا، إذ إن الحديث كله قد تمحور حول ثلاث نقاط أساسية تشكل الاستراتيجية الأمريكية في القارة الأفريقية، بما فيها ليبيا مرتبة حسب ورودها في السياق:

1- زيادة معدل التجارة في المنطقة الأفريقية.

2- الاستمرار في محاربة الإرهاب.

3- التأكد من أن الدعم المالي الأمريكي في القارة يستخدم بأكبر قدر من الفعالية، وفي الأوجه الصحيحة.

هذا فقط؟ نعم هذا هو لب ما قاله. لكن مهلًا، هذا كلام عام للاستهلاك السياسي اليومي للبيت الأبيض. حسنًا، حتى تكتمل الصورة نعود للوراء عامًا آخر سابقًا على هذا التاريخ. تحديدًا في ديسمبر 2017 والذي حدد فيه ترامب نفسه هذه المرة معالم «الاستراتيجية الجديدة للأمن القومي الأمريكي.. حقبة جديدة»، اختار عرضها على الشعب الأمريكي والعالم من قاعدة عسكرية أمريكية.

تتلخص محاور الاستراتيجية في أربع نقاط كما أوردها موقع البيت الأبيض الرسمي وهي: حماية الوطن والشعب الأمريكي وطريقة الحياة الأمريكية، وتعزيز الرخاء الأمريكي، والحفاظ على السلام من خلال القوة، وتعزيز النفوذ الأمريكي في العالم. لذا من المهم قراءة الموقف الأمريكي من القضية الليبية بتراتبية معينة حتى لا تأخذ المسائل أكبر من حجمها، فتكبر خطأً معها توقعات الفاعلين من الإدارة الأمريكية فيما يخص الملف الليبي. فقضايا ليبيا على جدول مهمات ترامب تقع تحت بند السياسة الخارجية الأمريكي، باب تعزيز النفوذ الأمريكي في العالم، وباب تعزيز الرخاء الأمريكي.

ليبيا.. رقعة في الأحجية الأفريقية

من المؤكد أن المقاول النيويوركي الذي جاء إلى سدة الحكم في البيت الأبيض في يناير كانون الثاني 2017 يرى إدارة الشؤون الأمريكية بعقلية مختلفة عن سابقيه. وباعتباره رجل أعمال تشير سياساته أنه يدير المسائل هناك بعقلية الربح، ولا شيء دون مقابل، وتقليص النفقات وبالتالي الخسائر إلى الحد الأقصى. فيما يخص أفريقيا، فإن إدارة ترامب تتعاطى مع قضايا شائكة في سياستها الخارجية من خلال القارة السمراء كما سنرى لاحقًا، خصوصًا أن الرجل كان قد نبه لصراع جبابرة سيبدأ قريبًا إن لم يبدأ بالفعل منذ وقت مبكر. مواضيع الصراع عديدة، وجبهاته أكثر عددًا.

ولقدر أفريقيا أن واشنطن ترامب تنبهت ولو متأخرًا لأهميتها في ملفات شائكة على جبهات بعيدة. ولقدر ليبيا أنها تقع في أفريقيا، لتشكل بذلك جزء من أجزاء الأحجية السياسية الأمريكية الكبرى في أفريقيا.

«فورين أفيرز»: لماذا سيفشل ترامب في السيطرة على أفريقيا اقتصاديًّا؟

يصف أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية روبرت إيمرسون في مقال له بمجلة فورين أفيرز، عام 1962، سياسات الولايات المتحدة التاريخية تجاه أفريقيا جنوب الصحراء بأنها تختلف عن سياساتها في أية منطقة أخرى من العالم؛ فالسياسة الأمريكية تعمل في إطار الصداقات والتفاهمات القديمة التي أعقبت سنوات الحرب من خلال شبكة من التحالفات؛ ما سهَّل عملية نشر القواعد العسكرية الأمريكية حول العالم، بينما لا توجد للولايات المتحدة أي تحالفات أو اتفاقيات عندما يتعلق الأمر بأفريقيا؛ فهي غير ملزمة بأي مواقف أو تقاليد ومصالح راسخة؛ ما جعلها تتمتع بحرية فريدة في وضع سياسات محددة لمواجهة القضايا التي تقدمها الدبلوماسية الأمريكية.

قالوا تسعة أعشار الرزق في التجارة

إن كان حال السياسات الأمريكية متكاسلة هكذا في أفريقيا حتى اللحظة، إلا أن حال سياستها الاقتصادية هناك ليست كذلك. فالأمر تغير بعد عام 2000. فقد قررت الولايات المتحدة، بعد ملاحظتها تصاعد حجم الاستثمار والحضور الصيني هناك، أن تدعم تجارتها مع دول جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى بقانون النمو والفرص في أفريقيا (أغوا AGOA) الذي يهدف إلى إقامة علاقات تجارية قوية مع القارة الأفريقية، ويؤسس لاتفاقية تجارية تفضيلية بين الولايات المتحدة وبلدان مختارة في المنطقة.

وقد وقَّع الكونجرس على هذا القانون، في 18 مايو (أيار) 2000، ووافقت عليه إدارة أوباما في 25 يونيو (حزيران)  2015 على تمديد العمل به لعشر سنوات أخرى، ما يعني أنه سيستمر حتى 30 سبتمبر (أيلول) 2025.

نعود هنا للنقطة الأولى من الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لأفريقيا، والتي تُعنى بزيادة معدل التجارة في المنطقة الأفريقية. تشير الأرقام الأمريكية الرسمية إلى أن حجم التبادل التجاري الأمريكي غير النفطي بلغ 39.0 مليار دولار في إجمالي تجارة البضائع (استيرادًا وتصديرًا) مع دول جنوب الصحراء الأفريقية خلال عام 2017. حيث بلغ إجمالي صادرات السلع 14.1 مليار دولار؛ وبلغت واردات البضائع 24.9 مليار دولار. بعجز تجاري للسلع الأمريكية مع دول جنوب الصحراء بلغ 10.8 مليار دولار في عام 2017.

كانت فئات التصدير الأمريكية الرئيسية هي الآلات (2.3 مليار دولار) والمركبات (1.6 مليار دولار) والطائرات (1.5 مليار دولار) والوقود المعدني (1.4 مليار دولار) والآلات الكهربائية (864 مليون دولار). بينما استوردت الوقود المعدني (11.2 مليار دولار) والمعادن الثمينة والحجر (البلاتين والماس) (4.1 مليار دولار) والكاكاو (1.2 مليار دولار) والمركبات (1.2 مليار دولار) والحديد والصلب (950 مليون دولار).

وصفها بـ«بؤر القذارة».. كيف تنظر أمريكا إلى أفريقيا في عهد ترامب على أرض الواقع؟

لكن ماذا عن النفط؟ إذا بدأ الحديث عن النفط فهذا يعني الدخول إلى عالم ترامب الواقعي المبدئي. حيث تجد الدول والكيانات نفسها أمام علقة عملاقة لا تكف عن امتصاصها حتى آخر قطرة حياة فيها. إذ يعتبر ترامب أن وجود تلك الدول مدين له، وحتى يستمر بمدها بأسباب الوجود، عليها أن تعطيه بدورها حد الإنهاك. فواقعية ترامب المبدئية كما سماها ترى العالم من واقع مصالحها لا من واقع أنها القوة العظمى التي تحقق الأمن والسلم الدوليين. فترامب يعتقد أن الولايات المتحدة أضاعت كثيرًا من طاقاتها ومواردها في الاهتمام بالعالم. وآن الأوان للاهتمام بمصالح البيت الأمريكي للإبقاء على تفوقه العالمي.

والحال هكذا فإن القارة الأفريقية في الوقت الراهن تنتج نحو 11% من النفط العالمي، بما يعادل حوالي 80 إلى 100 مليار برميل من النفط الخام، كما أنها تملك من الاحتياطات النفطية الخام ما نسبته 10% من الاحتياطي العالمي حسب تقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتنمية والتجارة، ويعد إقليم أفريقيا الغربي أغنى الأقاليم على الإطلاق الذي يضم دولًا مثل نيجيريا، وتوجو، وساحل العاج والكاميرون إلى جانب دول أخرى. يستأثر هذا القطاع بإنتاج حوالي 70% من مجمل الإنتاج الأفريقي، ويصل حجم إنتاجه الحالي حوالي 9 ونصف مليون برميل يوميًا، بكلمة أخرى أكثر من إنتاج إيران وفنزويلا والمكسيك مجتمعين.

وبعد الاكتشافات النفطية والغازية الضخمة في خليج غينيا، الممتد بين نيجيريا وأنجولا دفع صناع النفط لتسمية المنطقة بالكويت الأفريقية أو الجنة الجديدة، لقلة عدد سكانها، وغناها الشديد بالنفط والغاز. إلا أن ليبيا تبقى صاحبة الاحتياطي الأكبر من النفط الأفريقي. فمثلًا شكل النفط المستورد من نيجيريا وأنجولا ما نسبته 5% من مجموع ما استوردته أمريكا العام الماضي، أو ما قيمته 7.6 مليار دولار.

أما حجم التبادل التجاري النفطي الأمريكي الليبي عام 2017 فقد بلغ مليار ونصف دولار مقابل 11.2 مليار دولار تبادل تجاري نفطي مع دول جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى مجتمعة. وهي دولة بالرغم من اضطراب الوضع السياسي فيها حافظت على إنتاج مليون برميل نفط يوميًا خلال 2018.  

لهذا لا يمكن لترامب وإدارته أن تترك هذا الكم الهائل من الطاقة شبه المجانية والثروة لغيرها، وعليها حفظ مصالحها جيدًا وحمايتها والعمل على زيادتها تدريجيًا. يبقى أن هناك من يعيق سير تدفق هذه الموارد ويهدد هذه المصالح. وهناك من يريد الحصول على حصة من هذه الثروة بطريقة أو أخرى.

الحرب على «الإرهاب».. ليست لأغراض إنسانية كما يقال

تشكل الاضطرابات الأمنية في المنطقة المعضلة الأساسية في استغلال هذه الموارد الضخمة والمغرية. تحديدًا انتشار الجماعات الإسلامية مثل القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، إلى جانب الاقتتال بين القبائل الكبيرة هناك على حدود هذه المنطقة لأسباب مختلفة منها تجارة البشر، وتجارة الهجرة، والتهريب بكل أنواعه حتى تهريب النفط. تسعى الولايات المتحدة بشكل حثيث إلى تأمين احتياجاتها من النفط وتنويع مصادره، خصوصًا في ظل تزايد استهلاكها منه في الوقت الذي تعاني منه تناقص إنتاجها النفطي.

بعد الخسارة في العراق سيتجه لغرب إفريقيا.. لماذا سيكون «داعش» أقوى هناك؟ 

ولأنها دولة تتعلم من تجاربها، ورأت بأم عينها أنه يمكن للنفط أن يكون سلاحًا سياسيًا فتاكًا. لذا فقد ابتدعت الولايات المتحدة سياسة خاصة تسمى مبدأ كارتر، تقوم على منح المؤسسة العسكرية الأمريكية دورًا مهمًا للتصدي لأي خطر أيًّا كان شكله وطبيعته يعوق البحث عن النفط وتأمين مصادره والوصول إليه، والحفاظ على ثبات أسعاره.

كانت شؤون القارة الأفريقية ملحقة عسكريًا بالقيادة العسكرية الأمريكية التي تتخذ من أوروبا مقرًا لها حتى العام 2007. ولكن وبسبب قطاع الطاقة الذي غدا فجأة واعدًا جدًا في القارة الأفريقية تقرر إنشاء قيادة عسكرية أمريكية مستقلة ترعى المصالح الأمريكية هناك مباشرة. لذا جاء تأسيس AFRICOM وهي وحدة مكونة من قوات مقاتلة موحدة تحت إدارة وزارة الدفاع الأمريكية مسؤولة عن العمليات العسكرية الأمريكية وعن العلاقات العسكرية مع 53 دولة أفريقية عدا مصر، التي تقع في نطاق القيادة المركزية الأمريكية.

وقد بدأت القيادة الأفريقية نشاطها رسميًّا في الأول من أكتوبر (تشرين الأول)، 2008. حسب موقع القيادة الرسمي فإن مهمة هذه القوات تتلخص في العمل مع الشركاء المحليين والدوليين على بناء قدراتهم الدفاعية، وتعزيز مقدرتهم على الاستجابة للأزمات، وردع التهديدات العابرة للحدود وهزيمتها من أجل ضمان تقدم الولايات المتحدة، وحماية مصالحها الوطنية وتعزيز أمن القارة الأفريقية الإقليمي وتحقيق استقرارها وازدهارها.

حتى نفهم ماذا يعني هذا الوضع، لنلق نظرة سريعة على خارطة انتشار الجماعات الإسلامية المسلحة في أفريقيا، والتي جميعها بشكل أو آخر في إعلانها عن أهدافها تقول إنها تسعى للتخلص من الوجود الغربي عمومًا، والأمريكي خصوصًا، ومن كل وكلائهم إلى جانب تطبيق الشريعة في الدول الأفريقية. فالجماعات هناك تنقسم حسب ولائها إلى معسكرين؛ جماعات تابعة لتنظيم القاعدة، التنظيم الأم والأب الروحي لها جميعهًا، وأخرى فضلت أن تعطي ولاءها للنموذج «الداعشي».

أما التنظيمات التي تدور في فلك القاعدة فتشمل تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، وينضوي تحت لوائه مجموعات عدة منها: المرابطون، إمارة الصحراء الكبرى، حركة أنصار الدين، جبهة تحرير ماسينا، حماة السلفية، حركة الشباب المجاهدين، أنصار الشريعة في تونس وليبيا، وأنصار المسلمين. وتتركز مناطق انتشاره في المغرب العربي، والصحراء الكبرى إلى جانب منطقة الساحل الأفريقي الذي يمتد لألف كيلو متر، ويغطي ما مساحته 5000 آلاف كيلو متر مربع من المحيط الأطلسي حتى البحر الأحمر.

وأما النموذج «الداعشي»، وبالرغم من حداثة عهده، إلا أنه اكتسب أماكن مهمة على الخارطة الجهادية في أفريقيا. إذ تنضوي تحت لوائه جماعات بوكو حرام في حوض بحيرة تشاد ونيجيريا مصدر النفط الأكبر في أفريقيا، تنظيم الدولة فرع ليبيا، جند الخلافة في الجزائر، تنظيم ولاية سيناء في مصر إلى جانب مجموعات أخرى صغيرة بايعت التنظيم في مناطق مختلفة هناك.

تشير أرقام مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية إلى أن الهجمات التي قامت بها الجماعات المسلحة الإسلامية منذ العام 2016 تحديدًا في تزايد مستمر. فمن 90 عملية وهجوم عام 2016، زاد العدد إلى 194 عملية عام 2017، وارتفع مرة أخرى عام 2018 ليصل إلى 465 عملية.

رافق هذا الارتفاع في عدد العمليات ارتفاعًا في عدد الضحايا كذلك في الأعوام الثلاثة. فمن 218 ضحية عام 2016، إلى 529 في العام الذي تلاه، ليصل 1.110 ضحايا بنهاية العام 2018. هذا الارتفاع الملحوظ في الهجمات التي تنفذها هذه الجماعات يصاحبه ارتفاع التكلفة المالية والاقتصادية في مواجهتها ويسبب خسائر فادحة في اقتصاد دول المنطقة. والسبب أن هذه السلعة الاستراتيجية الأهم اليوم، ومصدر الطاقة الأول في العالم هي نقطة الضعف الأكبر للنظام العالمي القائم، والعصب المكشوف لحركة الاقتصاد العالمي.

بكلمة أخرى هي نقطة ضعف العدو بالنسبة للحركات المسلحة. فالنفط هدف ناعم، سهل مهاجمته بالنسبة للمسلحين، وصعب الدفاع عنه بالنسبة للمنتفعين. فمثلًا دولة أفريقية غير نفطية كتونس انخفض فيها الناتج الإجمالي المحلي من 3% عام 2015 الى 1% بسبب الهجمات التي تعرضت لها ذلك العام، وانخفض مردود قطاع السياحة 45% أو ما يعادل مليار دولار. وبحسب مجلة فوربس، فإن إنتاج النيجر من النفط قد انخفض بسبب الهجمات عام 2016 من 2.2 مليون برميل يوميًا إلى 1.4 مليون برميل يوميًا، بمعدل 800 ألف برميل في اليوم الواحد.

إذن هو صداع تسببه هذه الجماعات للدول المتصارعة على ثروات القارة السمراء. وتعيق بتمركزها في قلب الواحة النفطية استخراجه وتدفقه، بل إنها منافس أساسي في بعض الحالات للشركات النفطية الضخمة ببيعه خامًا مهربًا. فمثلًا أشار مصطفى صنع الله رئيس الشركة الوطنية الليبية للنفط، في مقابلة مع صحيفة «Zeit» الألمانية في مارس (آذار) 2019 أن تهريب النفط الليبي يكلف خزائن الدولة الليبية 750 مليون دولار سنويًا. لكن إلى جانب ذلك فالمشكلة الحقيقية هي أن التهريب يثري المهربين ومنهم الجماعات الجهادية المسلحة بشكل كبير، ما يعني زيادة في مقدرتها على تجنيد عناصر جدد، وتحسين تسليحها، وبالتالي تنفيذ عمليات عسكرية أكثر خطورة على المصالح الحيوية العالمية في المنطقة الأفريقية.

«في الخفاء» هل تحتل الولايات المتحدة أفريقيا عسكريًا؟

ولهذا السبب يتواجد اليوم في القارة الأفريقية 7500 جندي أمريكي إلى جانب 1000 خبير ومتعاقد أمني لتأمين منابع النفط الأفريقي، وللحد من الجماعات الإسلامية هناك أو القضاء عليها، مقارنة بتواجد 4500 جندي لفرنسا، القوة الاستعمارية الأقدم في أفريقيا، في نفس المنطقة ولنفس السبب بحسب صحيفة إنترسبت الأمريكية. يدعمها على الأرض عدة قواعد عسكرية أهمها وحدة الطائرات من دون طيار المتمركزة في ثلاث قواعد عسكرية في النيجر تحديدًا، إلى جانب الأسطول الأمريكي السادس المتمركز في المحيط الأطلسي على مدخل البحر الأبيض المتوسط من جهة، والقريب من منطقة الساحل الأفريقي الغني بالنفط. ومن الجهة الأخرى في المحيط الهندي على مدخل البحر الأحمر، تحديدًا في جيبوتي يتمركز الأسطول الأمريكي الخامس. إذًا في قارة محاصرة، ونفطها محاصر، وكأن لسان حال الأمريكيين يقول افعلوا ما بدا لكم، فكل شيء هنا سيذهب إلى واشنطن، وبالمناسبة شكرًا لتواجدكم اللطيف الذي منحنا شرعية الوجود، والغطاء اللازم.

الصين.. الهداف الذي جاء الملعب متأخرًا

لكن هذه الجماعات ليست الصداع الوحيد للولايات المتحدة في القارة الأفريقية فيما يتعلق باستخراج النفط وتصديره. بل إن هناك صداع اللاعبين الدولين الطامحين للحصول على حصتهم من ذهب أفريقيا الأسود. لا يشكل معظمهم أي خطر يذكر لوجود تفاهمات قديمة تعود إلى الحقبة الاستعمارية حيث تم تحديد حصة كل طرف ومناطق نفوذه منذ ذلك الحين. عدا لاعب واحد جاء مؤخرًا، ويبدو أنه يريد ليس فقط حصته بل المزاحمة على حصص الآخرين، وربما إزاحة الجميع ليتربع على عرش المستفيد الأول من موارد أفريقيا النفطية. إنها الصين.

يبدو أن التقارير الأمريكية بدأت تتنبه للتوغل والتمدد الصيني في القارة الأفريقية، ففي الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة توجه نظرها إلى محاصرة الصين اقتصاديًا في مناطق نفوذها في آسيا، كانت بكين تبني شبكات الطرق والسكك الحديدية والسدود ومحطات توليد الكهرباء في دول أفريقيا من خلال برنامج مساعدات مالية ومنح مقابل زيادة في حجم التبادل التجاري بين الطرفين. أفريقيا التي احتلت تاريخيًا مكانًا هامشيًا في السياسة الخارجية الأمريكية، لم يزد عن مواجهة محاولات تسلل الشيوعية إلى بعض دولها في منتصف القرن الماضي. واكتفت اقتصاديًا من الاستفادة من مواردها الطبيعية بشكل كسول، بدأت تفتح شهية بكين خصوصًا بعد الاكتشافات النفطية الواعدة.

 

يقول البنك الأفريقي للتنمية في تقرير صادر عنه عام 2011 أن حجم التبادل التجاري بين الصين ودول القارة الأفريقية قد ارتفع من قرابة الصفر عام 1998 إلى 50 مليار دولار بحلول عام 2008، وقفز الرقم ليصل 200 مليار دولار بنهاية العام 2018، وأنها قد أنجزت أكثر من 800 مشروع في 49 دولة أفريقية حتى عام 2005.

في الوقت ذاته يقول تقرير آخر لمؤسسة «AIDDATA» المعنية بمتابعة ببرامج المنح والمساعدات الدولية في العالم، أن الصين أنفقت بين عامي 2000 – 2014 ما قيمته 351 مليار دولار على شكل مساعدات مالية ومنح في مشاريع تنموية زاد عددها عن 4 آلاف مشروع موزعة على 138 دولة في القارات الخمس، كما أن الصين قد أعلنت في نهاية العام الماضي عن تخصيص 60 مليار دولار لمشاريع تنموية في القارة الأفريقية، ما يدلل على إصرارها في تثبيت موطئ قدم كبيرة لها هناك.

هذا النشاط الصيني الحثيث دفع واشنطن لأن تدق ناقوس الخطر، وتحاول أن تفهم ما الذي تريده الصين من هناك، والأهم هو فهم كيف توغلت بهذا الهدوء في القارة المنسية، وقضمتها بلدًا تلو الآخر دون أن يتنبه أحد لذلك بالشكل المطلوب. يبدو أن الإدارة الأمريكية طرحت سؤالًا جديًا على نفسها فحواه: كيف تسللت بكين إلى قلب أفريقيا المحروم من كل شيء؟ كيف تسلل هذا الغريب إليها دولة بعد الأخرى دون أن يثير أي ضجيج؟

منذ أن أطلق الرئيس الصيني السابق سياسة مغادرة البلاد عام 2005 التي دعا فيها الشركات الصينية إلى الاستثمار في مناطق ما وراء البحار، وبعيدًا عن الديار ووتيرة الاستثمار الخارجي الصيني في تصاعد مستمر. وقد توجت الصين هذه المبادرة بإطلاقها عام 2016 مشروع طريق واحد، حزام واحد الساعي لإعادة إحياء طريق الحرير القديم، حيث كانت التجارة العالمية في القرنين الثامن والتاسع عشر تمر من وإلى الصين قبل انفجار الثورة الصناعية في أوروبا.

المشروع الموعود يغطي 68 دولة في العالم، أي أن 56% من سكان العالم سيستفيدون من هذا المشروع بطريقة أو بأخرى، أو أنه يشكل ما نسبته 40% من الناتج الإجمالي العالمي. مشروع أثار الرعب لكثير من اللاعبين الدوليين. وبحسب الخرائط فإن بعضًا من طرقه تنتهي في أفريقيا. المشروع أساسًا يستثمر كما هو معلن في البنية التحتية والتعليم والسكك الحديدية والطرق السريعة والموانئ والعقارات والطاقة والحديد والصلب. والتقديرات تشير إلى أنه سيكلف من أربعة إلى ثماني تريليونات دولار.

التنين الصيني السخي.. ليس «فاعل خير» في أفريقيا!

هكذا إذًا، جزء من هذه الميزانية الضخمة تم تخصيصه لتنمية القارة الأفريقية حتى تأتي أكلها بالشكل المطلوب. من خلال اتفاقيات تعاونية رسمية بين بكين ودول القارة الأفريقية تحت غطاء الاتفاقية الموقعة سلفًا بين الطرفين عام 2000، فالصين تلعب دورًا خطيرًا من وجهة النظر الأمريكية من خلال برنامج مساعداتها الذي يحتل به نفوذها أفريقيا. والحال كذلك فإنه من غير الممكن مواجهة الصين عسكريًا، خصوصًا وأن برنامجها يقوم على أساس ربح الطرفين والمنفعة المتبادلة؛ أبني لك طرقًا وسدودًا ومدارس ومنشآت تساعدك على استغلال مواردك الطبيعية، في المقابل تساعدني بالحصول على نسبة من تلك الموارد.

الأمر بكل هذه البساطة، لكنه ليس كذلك بالنسبة لصقور البيت الأبيض الذين يتهمون المساعدات الصينية للدولة النامية ومنها تلك في القارة الأفريقية بأنها أفخاخ لاحتلال الدول حين تعجز عن سداد تلك المنح. لذا وعلى مبدأ داوها بالتي كانت هي الداء، فإن الإدارة الأمريكية قررت تفعيل برامج مساعداتها للدول الأفريقية باعتبارها أداة تواجه التوغل الصيني هناك.

ما علاقة كل ما سبق بملف ليبيا؟

يرتبط الملف الليبي بقضايا السياسة الخارجية الأمريكية الشائكة من عدة جهات. فالبلد العربي هو صاحب الاحتياطي النفطي المؤكد الأكبر في أفريقيا. فهي من جهة تتوفر على 2.9% من الاحتياطي النفطي العالمي المؤكد، إلى جانب أنها صاحبة رابع أكبر احتياطي من الغاز في أفريقيا أو ما نسبته 0.8% من احتياطي الغاز العالمي.

ليبيا دولة بالرغم من استعار الحرب الأهلية فيها إلا أنها حافظت على إنتاج مليون برميل نفط يوميًا من أجود أنواع النفط في العالم وأقله تكلفة. فهو من جهة مصدر تريد الاستئثار به قدر الإمكان، ويخدمها من جهة أخرى، إلى جانب عموم النفط الأفريقي، في حربها على النفط الإيراني وتعويض النقص في العرض الذي ستسببه العقوبات الأمريكية في السوق العالمية. ومن جهة ثالثة، تريد قطع الطريق على الأطماع الروسية خصوصًا أن الوضع في سوريا قد بات يستقر تدريجيًا ما يعني احتمالية انتقال الروس الى النظر باتجاه ليبيا، تحديدًا بعد الدعم الروسي لخليفة حفتر.

كذلك فإن ليبيا تمثل خندقًا متقدمًا للحرب على الجماعات الإسلامية المسلحة في شمال وغرب أفريقيا، كونها أحد الوجهات الأكثر ترجيحًا لانتقال عناصر «تنظيم الدولة» والقاعدة إليها من العراق وسوريا ومصر نتيجة لغياب الدولة والانفلات الأمني ما يشكل بيئة مثالية، ووجهة آمنة نسبيًا لمقاتلي تلك الجماعات.

فقد شاركت وحدات الطائرات المسيرة الأمريكية في 2016 بمعركة طرد مقاتلي «داعش» من مدينة سرت القريبة من الحقول النفطية الليبية. على الجانب الآخر، لليبيا موقع استراتيجي مهم لقوات الأفريكوم الأمريكية التي تشن حربًا شعواء على هذه التنظيمات في عمق الصحراء الأفريقية، والتي تهدد تدفق النفط من دول خليج غينيا. فموقعها القريب من تلك المنطقة وحدودها المشتركة مع دول مثل تشاد ومالي والنيجر الحدودية مع الجنة النفطية الأفريقية يشكل نقطة مراقبة مهمة، وقاعدة استراتيجية لحماية ورعاية مصالحها.

تقع الصين في رأس أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، بينما ولوقت طويل كانت أفريقيا تحتل مكانًا هامشيًا، ومكانة متواضعة. إلا أن تأثير بكين السريع في القارة الأفريقية أجبر صانعي القرار في السياسية الأمريكية على اتخاذ خطوات كالتي حددها جون بولتون في عرضه لاستراتيجية أمريكا الجديدة لأفريقيا. فالرجل صرح أن أفريقيا بما فيها ليبيا ستكون ربما الساحة الأخيرة لمواجهة التوسع الصيني في العالم بشكل عام، وفي أفريقيا بشكل خاص.

رحلة في عقل فرنسا وإيطاليا.. كيف يتصارعان على ليبيا الآن؟

لذا فإن الاهتمام الأمريكي بالملف السياسي الليبي آخذ في الزيادة في العامين الأخيرين، ربما لإدراكها ولو متأخرًا أهمية ليبيا في سياستها الخارجية على أكثر من جبهة. فبعد أن كانت تعتمد على وكلائها الأوروبيين والعرب لإدارة شؤون الملف السياسي هناك، يبدو أنها باتجاه الأخذ بزمام الأمور بنفسها لتتفرغ لقضاياها الكبرى.

من إعلان الأمين العام للأمم المتحدة في يوليو 2018 عن تعيين القائم السابق بأعمال السفارة الأمريكية في ليبيا نائبًا للمبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة، الذي أريد منه الإعلان عن رغبة الولايات المتحدة بأن يكون لها دور أكبر في العملية السياسية الليبية، إلى الإعلان عن عودة قوات الأفريكوم إلى ليبيا الشهر الجاري، ودعوة الأطراف إلى إيجاد حل سياسي يتفق الجميع عليه، وصولًا إلى حديث بعض التقارير عن الرغبة الأمريكية بإعادة فتح سفارتها في طرابلس كلها مؤشرات تدل على الاهتمام المتزايد بالوضع الليبي، وعلى الدور المهم الذي ستلعبه ليبيا في السياسة الخارجية الأمريكية أفريقيًا.

ولن يقتصر الدور الأمريكي هناك كما صرح ترامب مرارًا على محاربة ما يسميه بالإرهاب فقط. فهي بحاجة لإنهاء الصراع السياسي الليبي أكثر من أي وقت مضى. وبحاجة لوضع حد لشركائها وحلفائها الأوروبيين أو العرب الذين تتعارض مصالحهم باستمرار في ليبيا ما قد يعطل سير الاستراتيجية الأمريكية بالنسبة للقارة الأفريقية.

وعليه فإن الموقف الأمريكي يعنى بالوضع السياسي في ليبيا بقدر ما يخدم مصالحه في القارة الأفريقية عمومًا. وفي إطار الأهداف الاستراتيجية الخارجية الأمريكية المعلنة. لن تتدخل أمريكا ترامب لذلك في ليبيا لتسوية العملية السياسية فقط نزولًا عند رغبة الأصدقاء. إلا إذا ارتأت الإدارة الأمريكية أن الوضع الليبي أصبح يعيق أو يؤثر على مسارها في تطبيق أولوياتها في المنطقة وهي السيطرة على النفط، ومحاربة الإرهاب، ومواجهة التوسع الصيني.

المصادر

عرض التعليقات
s