قد تكون أحد المشجعين أو المتابعين للدوري الإسباني، وربما يكون لاعبك المفضل اللاعب المسلم من أصول مغربية كريم بنزيما؛ إذا كنت من محبي «ريال مدريد»، أو اللاعب التركي إنيس أونال الذي يلعب لصالح فريق «فياريال»، أو أردا توران التركي إن كنت من عاشقي البارشا.

وقد يزعجك أن هناك حزبًا من اليمين المتطرف وضع على رأس أجندته معاداة المسلمين والمهاجرين واللاجئين، وإن حدث ووصل يومًا إلى سدة الحكم؛ فقد يتغير المشهد الإسباني برمته، وقد لا ترى أمثال هؤلاء اللاعبين المسلمين في هذا البلد.

انتقلت إسبانيا من ديكتاتورية نظام فرانسيسكو فرانكو إلى الديمقراطية منذ قرابة 40 عامًا، وها هو اليمين المتطرف يطل برأسه مرة أخرى بعد أن حقق «حزب فوكس» صعودًا لافتًا في الانتحابات الأخيرة.

بعد عقود من الغياب.. اليمين المتطرف يعود إلى البرلمان الإسباني

كان الناخبون الإسبان يأملون في أن تسفر الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 28 أبريل (نيسان) الماضي، عن نتائج تجلب لهم الاستقرار السياسي، لكن ذلك لم يتحقق بشكل مثالي كما تمناه الناخبون، الذين سجّلت أعدادُهم معدلات قياسية في انتخاباتٍ وُصفت بأنها الأشد تنافسية في البلاد منذ عقود.

مرشحو الحزب أثناء الانتخابات

فقد تمكن حزب «فوكس» اليميني المتطرف من الفوز بـ24 مقعدًا في الانتخابات التشريعية، وهو الحزب الذي كان ينظر إليه قبل الانتخابات على أنه حزب هامش، لكنه دشن لعودة اليمين القومي المتشدد بعد طول غياب، ما يمثل اختراقًا مهمًا على الساحة السياسية في إسبانيا.

أظهرت النتائج حصول الاشتراكيين على 122 مقعدًا في البرلمان، بفارق كبير عن الأغلبية المطلقة المحددة بـ176 مقعدًا، وهو ما يعني ضرورة قيام رئيس الحكومة الاشتراكي بيدرو سانشيث، بعقد تحالفات مع اليسار الراديكالي في «حزب بوديموس»، وربما مع أحزاب على صلة بالانفصاليين الكتالونيين ليتمكّن من تشكيل حكومة جديدة، بينما حصل «الحزب الشعبي» على 66 مقعدًا في البرلمان.

اللافت في انتخابات هذا العام هو توجه الإسبان للتصويت لحزب «فوكس» اليميني المتطرف، الذي سيتمكن من دخول البرلمان الإسباني لأول مرة في تاريخه، وبذلك سيضم البرلمان الإسباني كتلة لحزب يميني متطرف لأول مرة منذ عقود.

ماذا في جعبة «فوكس»؟

تأسس حزب «فوكس» في 17 ديسمبر (كانون الأول) عام 2013، وأُعلن في مؤتمر صحافي عقد في مدريد يوم 16 يناير (كانون الثاني) 2014، منشقًا عن حزب «الشعب».

يتبنى الحزب اليميني المتطرف أفكارًا متشددة ضد الهجرة، ويؤيد قوانين العنف ضد المرأة، وهو من أكثر الأحزاب المعادية للإسلام، ويدافع عن إغلاق المساجد التي يصفها بـ«الأصولية»، وكذلك اعتقال الأئمة المتشددين وطردهم.

على غرار دعوة الرئيس الأمريكي لإقامة جدار مع المكسيك، يدعو الحزب لإقامة جدار «لا يمكن اجتيازه» -بحسب تعببيره- على طول حدود مدينتي سبتة ومليلية الإسبانيتين. كذلك يرغب في زيادة الوعي بمساهمة إسبانيا في الحضارة والتاريخ العالمي، مع التركيز بشكل خاص على إنجازات أبطال إسبانيا الوطنيين وأعمالهم.

وكما جاء في برنامج الحزب في الانتخابات الإقليمية؛ يعارض الحزب فكرة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. ويرى ضرورة مشاركة إسبانيا في «المهام القتالية العسكرية ضد التهديد الجهادي»، كما يؤيد «فوكس» علنًا ​​دولة إسرائيل.

كان اليمين الإسباني في السابق يعتمد اعتمادًا جذريًّا على الخطاب المعادي للإسلام، وخاصة حزب «فوكس»، إذ حققت النيابة العامة الإسبانية مع أحد أعضائه، ويدعى خافيير أورتيغا سميث، بتهمة تبني خطاب كراهية بعد أن تحدث عن «الغزو الإسلامي» الذي يسعى إلى اقتحام أوروبا.

كان خطاب الحزب أثناء الانتخابات يرتكز في معظمه إلى محاججة ضد السياسة اليسارية والليبراليين الاجتماعيين والمهاجرين، وتأكيد عودة إسبانيا المفقودة منذ فترة طويلة، والضغط لمحاربة ما يسميه الحزب «غزوًا إسلاميًّا»، والتحذير من الإسلام باعتباره «عدو أوروبا»، ويمكن تلخيص برنامجه بوصفه نسخة باللغة الإيبيرية من شعار «جعل إسبانيا عظيمة مرة أخرى».

«فورين بوليسي»: كيف روج الإعلام العالمي لليمين المتطرف في تغطية هجوم نيوزيلندا؟

ممولو الحزب المُعادي للإسلام.. مسلمون!

على الرغم من عدائه الواضح للمسلمين والمهاجرين، وخطابه العنصري؛ فإن أحد مموليه منذ نشأته -وللمفارقة الكبيرة- مسلمون. وفقًا لتحقيق أجرته صحيفة «البايس» الإسبانية، فقد مولت منظمة «مجاهدي خلق» الحملة الانتخابية لحزب «فوكس» في الانتخابات الأوروبية التي جرت عام 2014، بملبغ 800 ألف يورو، وهو ما يناهز 80% من إجمالي تمويل الحملة ذلك العام.

مجاهدو خلق إيران اليمين المتطرف

ووفقًا للصحيفة الإسبانية، فإن الأموال نقلت عن طريق أليخو فيدال كوادراس، الذي كان حينها رئيس الحزب، والذي استقال عقب خسارته في الانتخابات الأوروبية عام 2014. وقد أبلغ خليفته، سانتياغو أباسكال بالأمر، واعترف كودراس، بأن «أموال الإيرانيين في المنفى لم تخدم تمويل الحملة الأوروبية لعام 2014 وحسب، بل وساهمت أيضًا في إطلاق الحزب».

أول تحويل للأموال من أنصار «المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية»، وهي الوجه الآخر لمنظمة «مجاهدي خلق»، إلى الحزب حدث في 17 ديسمبر عام 2013، وهو يوم تسجيل الحزب في سجل الأحزاب السياسية.

إجمالًا، حصل الحزب الذي يتزعمه سانتياغو أباسكال الآن على ما يزيد على مليون يورو، غطت تكلفة إيجار مقر الحزب في مدريد، ورواتب الموظفين، وشراء الأثاث وأجهزة الكمبيوتر، وراتب أباسكال نفسه.

جمع المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية الأموال من 15 بلدًا، بما في ذلك ألمانيا وإيطاليا وسويسرا والولايات المتحدة الأمريكية وكندا. وقال فيدال كوادراس الذي ترك الحزب في 2015: «كان أباسكال يدرك كل شيء، وشرحت علاقتي مع «سي إن أر أي» وأخبرته بأنهم سيمولوننا، بدا الأمر جيدًا بالنسبة له، لقد كان سعيدًا».

إيرانيون في المنفى.. من هم «مجاهدو خلق»؟

يتواجد المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية في فرنسا، أسسه مسعود رجوي وأبو الحسن بني صدر عام 1981، وتترأسه في الوقت الحاضر رئيسته المنتخبة مريم رجوي (زوجة مسعود).

الراجويون هم أيضًا قادة «مجاهدي خلق»، وهو من الأسباب التي تجعل الكثيرين يعتقدون أن المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية هو مجرد واجهة لمنظمة «مجاهدي خلق»، التي تمكنت على مدى العقود القليلة الماضية من إنشاء شبكة معقدة من الدعم الحكومي المناهض لإيران والموالي لإسرائيل واليمين في جميع أنحاء العالم.

للوقوف على تطور منظمة «مجاهدي خلق»، من الضروري العودة بالتاريخ إلى الانقلاب الذي دعمته الولايات المتحدة وبريطانيا عام 1953، وأطاح رئيس وزراء إيران محمد مصدق، وانتخاب ديمقراطية ملكية بقيادة شاه محمد رضا بهلوي.

أدى الاضطهاد الذي قامت به العائلة البهلوية الملكية إلى ظهور العديد من الجماعات الراديكالية، التي كانت منها جماعة «مجاهدي خلق»، التي جمعت أيديولوجيتها بين الماركسية والإسلامية.

دفعت مشاعرها المعادية للغرب، وخاصة للولايات المتحدة إلى قتل ستة مواطنين أمريكيين في إيران في السبعينيات. بينما في عام 1979، هتفوا بحماس للاستيلاء على السفارة الأمريكية في طهران. بعد الثورة الإيرانية، سعى قادتها الشباب، بمن فيهم رجوي، إلى الحصول على تأييد آية الله الخميني، لكن تم رفضهم.

رئيس منظمة «مجاهدي خلق» يحيي المتظاهرين عام 1980 قبل فراره خارج البلاد

ومن ثم فقد تحالف رجوي مع الفائز في أول انتخابات رئاسية في البلاد، أبو الحسن بني صدر، الذي لم يكن حليفًا للخميني أيضًا، وسرعان ما أصبح أبو الحسن بني صدر و«مجاهدو خلق» من الشخصيات المعارضة الرئيسية للخميني، وهربوا إلى العراق ثم إلى فرنسا.

في البلد المجاور، تحالف «مجاهدو خلق» مع صدام حسين لشن حرب ضد إيران. وبحسب صحيفة «نيويورك تايمز» فقد ورد في تقرير لـ«مؤسسة راند البحثية» أنه تم تأكيد مزاعم تواطؤ الجماعة مع صدام، من خلال تقارير صحافية نقلت عن مريم رجوي تشجيع أعضاء «مجاهدي خلق» لصدام على: «خذ الأكراد تحت جناحك، واحفظ رصاصاتك للحرس الثوري الإيراني».

اعتبرتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي منظمة إرهابية معظم حقبة التسعينيات، لكن الأمور تغيرت بعد الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003، وهذا هو الوقت الذي رأى فيه المجتمع الاستخباراتي الأمريكي «مجاهدي خلق» شيئًا ثمينًا وليس عبئًا. إذ يمكن القول بأن الأمريكان طبقوا مقولة «عدو عدوي صديقي».

فتغاضت الولايات المتحدة عن جرائم الماضي، وأعادت تنشيط حملة الضغط التي شنتها منظمة «مجاهدي خلق» لإخراج نفسها من قوائم الإرهابيين في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

«مجاهدو خلق».. أداة إسرائيلية ودعم أمريكي

بحسب تصريحات داني ياتوم، الرئيس السابق للموساد، لصحيفة «جيروزاليم بوست»، فإن إسرائيل يمكن أن تنفذ بعض خططها المناهضة لإيران من خلال «مجاهدي خلق» إذا اندلعت الحرب.

ووفقًا لصحيفة «الجارديان»، بين عامي 2007 و2012، تعرض عدد من العلماء النوويين الإيرانيين للقتل، ورصدت الصحيفة البريطانية عددًا من الحالات التي اغتيل فيها العلماء الإيرانيون، والتي تورطت في ارتكابها منظمة «مجاهدي خلق». وفي عام 2012، ذكرت شبكة «إن بي سي» نيوز في تحقيق مطول، أجراه ريتشارد إنجل وروبرت ويندرم نقلًا عن مسؤولين أمريكيين لم تكشف الشبكة عن هويتهم، أن الهجمات قد خطط لها الموساد الإسرائيلي، ونفذتها عناصر «مجاهدي خلق» داخل إيران.

بحلول عام 2009 و2012، أخرجها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على التوالي من قائمة المنظمات الإرهابية. وبعد فترة وجيزة حصلت المجموعة على دعم من السياسيين الأمريكيين، مثل رودي جولياني ومستشار الأمن القومي الحالي جون بولتون، الذين يصفون منظمة «مجاهدي خلق» الآن بأنها معارضة مشروعة للحكومة الإيرانية الحالية.

وكما فعل أجداد المحافظين الجدد في الولايات المتحدة من قبل، فقد تخلصت جماعة «مجاهدي خلق» من «الماركسية»، وبعد الانسحاب الرسمي للولايات المتحدة من العراق، بنت الولايات المتحدة لـ«مجاهدي خلق» ملاذًا آمنًا في ألبانيا، بالقرب من تيرانا.

كشفت «الجارديان» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أن مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون، الذي يتمتع بعلاقة قوية مع الكيان الصهيوني، أنفق أكثر من 156 ألف يورو على عدة اجتماعات لأعضاء هذه المجموعة.

من أين يحصل «مجاهدو خلق» على الأموال؟

عندما سألت «فورين بوليسي» حسن حيراني، العضو السابق في الإدارة السياسية لجماعة «مجاهدي خلق» الذي انشق عام 2018، وتولى أجزاء من الشؤون المالية للمنظمة في العراق: من أين يعتقد أن الأموال أتت لـ«مجاهدي خلق؟»، أجاب: «المملكة العربية السعودية، من دون شك»، وأما بالنسبة لعضو سابق آخر من «مجاهدي خلق»، سعد الله صافي، فإن أموال المنظمة تأتي بالتأكيد من دول عربية ثرية تعارض الحكومة الإيرانية.

وقال مسعود خودبانده، الذي خدم ذات مرة في قسم الأمن في «مجاهدي خلق»، لصحيفة فورين بوليسي: «مجاهدو خلق» هم الأداة وليسوا الممولين، إنها ليست كبيرة بهذا الحجم. أنت تنظر إليها وتقول: أوه، المجاهدون يمولون «فوكس». لا، لا. من يمول هذا الحزب يمول المجاهدين كذلك».

الأمير تركي بن سعود، رئيس المخابرات السعودية السابق

كما تقدم، قدمت القنوات التلفزيونية السعودية التي تديرها الدولة تغطية إيجابية لمنظمة «مجاهدي خلق»، وحتى الأمير تركي الفيصل، رئيس المخابرات السابق في المملكة العربية السعودية، ظهر في يوليو (تموز) 2016، في اجتماع حاشد نظمته منظمة «مجاهدي خلق» في باريس، وربما تفعل السعودية ذلك على الأقل ظاهريًّا نكاية في نظام الملالي في إيران، ومحاولة منها لتقويضه بأي ثمن حتى لو كان من خلال تمويل منظمة تستخدمها أجهزة مخابراتية دولية.

المعتقدات الدينية تُغذي علاقة «فوكس» بإسرائيل

كان دعم إسرائيل للأحزاب الأوروبية اليمينية المتطرفة علنيًّا منذ سنوات على غرار علاقاتها باليمين الصهيوني في الولايات المتحدة، وفي عام 2010، وصل وفد كبير إلى تل أبيب، يتألف من حوالي 30 من قادة التحالف الأوروبي من أجل الحرية، وجمع قادة يمينيون مثل خيرت فيلدرز من هولندا، وفيليب ديوينتر من بلجيكا، وخليفة يورغ هايدر وهاينز كريستيان ستراش من النمسا.

لذلك ينبغي لنا فهم استثمار «مجاهدي خلق» بدعم حزب «فوكس»؛ في سياق استثمار إسرائيل في الأحزاب السياسية اليمينية المتطرفة في أوروبا، بهدف توجيه الانتقام ليس ضد اليهود، بل ضد المسلمين.

وليس هذا هو السبب الوحيد الذي يكمن وراء تلك العلاقة بين اليمين المتطرف وإسرائيل، إذ إن أيديولوجية اليمين المتطرف حول العالم تنبع من معتقدات دينية وعقائدية توراتية تغذيها نبوءات دينية متصورة، تجعل من دعم إسرائيل ما يشبه بالعقيدة الراسخة لدى اليمين.

وفي النهاية تبدو التحالفات والتشابكات جلية وإن غصت مرارتها، فهناك حزب يميني متطرف معادٍ للإسلام يموله مسلمون في ثوب منظمة «مجاهدي خلق»، والذين بدورهم يلقون رعاية وعناية من السعودية وغيرها من الدول العربية الثرية، ومن وراء ستار تتلاعب بهم جميعًا إسرائيل والولايات المتحدة كما لو كنا في «مسرح للعرائس».

«ديلي بيست»: ماتيو سالفيني.. «ترامب إيطاليا» الذي أطلق حملة قومية لتدمير أوروبا

 

المصادر

تحميل المزيد