لا جديد، الليرة التركية تواصل التراجع والأوضاع الاقتصادية في البلاد تتأزم أكثر، وسط توترات سياسية، سواء داخلية أو خارجية، بات هذا الأمر إحدى المسلمات الاقتصادية في تركيا خلال الأشهر الأخيرة، خاصة بعد أن خسرت الليرة التركية نحو 30% من قيمتها العام الماضي، ونحو 15% خلال العام الجاري، لكن السؤال الآن لماذا لا تنتهي هذه الأزمة؟ لماذا لا تستطيع الحكومة منع الليرة من الهبوط أكثر؟

بداية يجب أن ندرك أن تذبذب العملات التي تتبع نظام التداول الحر هو أمر طبيعي؛ بمعنى أن هبوط العملات الحرة وصعودها ليس بالأمر السلبي، ولكنه في بعض الأحيان يكون صحيًّا بالنسبة للاقتصاد، لكن عندما يكون الاتجاه نحو الهبوط فقط، هنا تكون الأزمة؛ لأن سعر العملة يرتبط بكل قطاعات الاقتصاد تقريبًا، والهبوط المستمر يصنع حالة من عدم الاستقرار عمومًا.

وربما قد استنفذت الحكومة حلولها للسيطرة على هذه الأزمة، وهو ما دفعها لتدخل تدخلًا مباشرًا في السوق، وهو حدث غاية في الأهمية، وقد يمثل تحولًا في اتجاه الليرة في الفترة القادمة، إذ باعت بنوك حكومية تركية أكثر من مليار دولار يوم الخميس 10 مايو (أيار) الجاري، خلال تعاملات الأسواق الخارجية، وذلك بهدف مساعدة العملة المحلية، فوفق مصادر لوكالة «رويترز» باعت حكومية تركية حوالي 4.5 مليار دولار خلال الأسبوع المنتهي الخميس الماضي.

هل سيعيش الاقتصاد التركي جولة جديدة من التقلبات في 2019؟

هذه الخطوة بالفعل دفعت الليرة للارتفاع بنحو 2%، خلال تعاملات هذا اليوم، لكن هل يمكن أن تعول الحكومة على مثل هذه الخطوة لضمان استقرار الليرة في المستقبل القريب؟ بالطبع الإجابة لا، فهذه الحلول المؤقتة لا تعالج أصل المشكلة، لذلك من الصعب الحديث عن استقرار قريب بسبب هذا التدخل، وهو بالفعل ما ثبت خلال جلسة 13 مايو الجاري، إذ تخلت العملة التركية عن مكاسبها، لكن ما الذي حدث؟

لماذا لا تنتهي الأزمة؟ أسباب التراجع ما زالت قائمة

يرى أحمد ذكر الله، عميد «كلية الاقتصاد والتمويل» بأكاديمية العلاقات الدولية في تركيا، أن توالي التراجعات في سعر الليرة التركية مقابل الدولار خلال العام الماضي والحالي، يرجع لعدة أسباب اقتصادية وسياسية على حدٍّ سواء، إذ يؤكد أنه بالرغم من تحقيق الاقتصاد التركي أرقامًا قياسية عبر صادرات غير مسبوقة بقيمة 170 مليار دولار، وعائدات سياحة اقتربت من 40 مليار دولار، إلا أن الديون الخارجية تبقي هي السبب الرئيس في التعثر المستمر لليرة التركية.

ويقول ذكر الله خلال حديثه لـ«ساسة بوست» إن خروج ما يقارب من 15 مليار دولار من الاحتياطي النقدي؛ تلبية لخروج الأموال الساخنة تحت وطأة أزمة الأسواق الناشئة، وارتفاع أسعار الفائدة في الدول التي تنافس تركيا على تلك الأموال، ساهمت في حالة التذبذب التي تعشها الليرة. بينما وضع القطاع الخاص التركي المدين بأكثر من 75% من الديون الخارجية والمعرض للإفلاس سبب آخر لتراجع العملة المحلية.

وحول الأسباب السياسية، يقول أستاذ الاقتصاد إن نتيجة انتخابات البلديات المخيبة لآمال أنصار الحزب الحاكم، لا سيما بعد فقد العديد من بلديات المدن الكبري، وعلى رأسها أنقرة وإسطنبول وأزمير، ودعاوى الحزب بتزوير انتخابات إسطنبول، وقرار اللجنة العليا للانتخابات بإعادتها الشهر القادم، تعطي المزيد من اللغط وعدم الاستقرار الداخلي.

ويؤكد ذكر الله أن التوتر السياسي الداخلي هو السبب الأساسي في التراجع الأخير لليرة، وتخليها عن نقطة المقاومة: الستة ليرات للدولار الواحد، إلا أنه يرى أن إعلان وزارة المالية توقعاتها لسعر الليرة عند 6:20 للدولار الواحد، سيكون إنجازًا كبيرًا في ظل المعطيات السياسية والاقتصادية لو استطاعت الحكومة تحقيق هذا الهدف.

يشار إلى أن المجلس الأعلى للانتخابات في تركيا قد ألغى مؤخرًا نتائج الانتخابات البلدية التي أُجريت في 31 من مارس (آذار) بمدينة إسطنبول، كبرى المدن التركية والمركز التجاري للبلاد، وذلك بعد أسابيع من طعون قدمها حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي تلقى هزيمة في الانتخابات.

ويرى مراقبون أن قرار إعادة انتخابات إسطنبول في 23 يونيو (حزيران)، من شأنه أن يضيف نحو شهرين من حالة عدم اليقين بشأن خطط تركيا لإعادة التوازن، وتحقيق الاستقرار في الاقتصاد، خاصة بعد أن قام البنك المركزي التركي بتشديد فعلي لسياسته عبر تقديم تمويل للسوق بأسعار فائدة أعلى، واتخذ خطوات إضافية في ما يخص السيولة لدعم الليرة.

برامج وإصلاحات.. الوصفات الحكومية لا تعمل

قد يتبادر إلى ذهنك سؤال بديهي؛ هل الحكومة لا تدرك هذه الأسباب؟ وفي الواقع تدرك الحكومة واقع الأمر وهو ما دفعها خلال الفترة الأخيرة للكشف عن برامج وإصلاحات تهدف إلى إعادة النمو الاقتصادي للبلاد، بعد أن شهد في الربع الأخير من العام الماضي، انكماشًا بنسبة 3%، في أسوأ أداء خلال تسع سنوات، وفق هيئة الإحصاء التركية. إذ أعلن وزير الخزانة والمالية التركي، براءت ألبيرق، حزمة إصلاحات هيكلية جديدة في نهاية أبريل (نيسان) الماضي.

الوزير كشف عن أن «القطاع المالي بداية من القطاع المصرفي سيكون الأول من حيث الإصلاحات»، وشدّد على أن حكومة بلاده تهدف في الخطوة الأولى من الإصلاحات إلى تعزيز رؤوس أموال البنوك الحكومية، موضحًا أن الميزانية العمومية للبنوك العامة ستصبح أكثر مقاومة من خلال زيادة كفاية رأس المال، ونسبة تغطية السيولة.

لكن بعد شهر من هذا الإعلان يبدو أن ألبيرق غير واثق في أن هذه الإصلاحات ستدعم الليرة، إذ قال مؤخرًا «إنه يأمل بأن يتغلب الاقتصاد التركي على أزمة العملة»، وأشار خلال حديثه لقناة «سي. إن. إن. ترك»، إلى أداء تركيا خلال الأزمة المالية العالمية في 2008، حينما انكمش الاقتصاد أربعة فصول متتالية، متمنيًا أن تتجاوز بلاده الأزمة الحالية بفصلين فقط من الانكماش، وبأقل تأثير سلبي.

وزير الخزانة والمالية التركي، براءت ألبيرق

بينما يتوقع خبراء اقتصاديون انكماشًا لربعين آخرين على أساس سنوي، وذلك بالرغم من توقعات ألبيرق أن يصل عدد السياح الوافدين إلى تركيا خلال 2019 إلى 50 مليون سائح، بعوائد أكثر من 35 مليار دولار، لكن يبدو أن القطاع السياحي وحده غير كافٍ لإنعاش الاقتصاد، ودعم الليرة على وجه الخصوص.

على الجانب الآخر، يرى محللون أن ما وصف بالانتكاسة الانتخابية لـ«حزب العدالة والتنمية» في الانتخابات المحلية، كان له أثره السلبي على آمال المستثمرين أن تتبنى تركيا إصلاحات صعبة، إذ قال جيوم تريسكا كبير خبراء استراتيجيات الأسواق الناشئة لدى بنك «كريدي أجريكول»، إن الأمر «سيقتصر على الكلمات»، نافيًا أن تستطيع الحكومة تحقيق إصلاح حقيقي على أرض الواقع.

على كلٍّ لا يتعامل المستثمرون الأجانب على أساس قوة الإصلاحات المعلنة، ولكن الأمر متوقف على الفاعلية وهو المفتقد في تركيا حتى الآن، بينما قالت وكالة «موديز» للتصنيفات الائتمانية، إن فعالية الإصلاحات ستكون أساسية لتصنيف تركيا الائتماني الذي خفضته في أغسطس (آب) من العام الماضي.

يرفض العلاج المر.. أردوغان يواصل التمسك بنظرية المؤامرة

على الجانب الآخر وفي القلب من هذه الأزمة، تقع تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والذي ما زال مصرًا على أن بلاده تتعرض لمؤامرة اقتصادية، ويرفض الاعتراف بوجود مشاكل هيكلية تحتاج إلى حلول، إذ يرى أن تركيا تواجه «تخريبًا اقتصاديًّا»، وتعهد بالتصدي للهجمات على اقتصاد البلاد، قائلًا: «من الآن فصاعدًا، سنفعل ما فعلناه بالإرهابيين».

وتتأثر الليرة تأثرًا مباشرًا بتصريحات أردوغان، إذ ينظر إليه على أنه يعيش صراع مع البنك المركزي حول سعر الفائدة، وهو الأمر الذي تسبب في هبوط العملة المحلية في مناسبات عدة، وذلك بسبب مخاوف المستثمرين بشأن استقلالية البنك المركزي، في ظل ضغوط أردوغان لخفض تكاليف الاقتراض.

ويخوض الرئيس التركي صراعًا مع البنك المركزي التركي حول سعر الفائدة منذ أكثر من ثلاث سنوات، فأردوغان متمسك بموقفه؛ مطالبًا بضرورة خفض الفائدة لدعم الاستثمار، بينما يريد المركزي السيطرة على معدلات التضخم من خلال رفع الفائدة، وتصطدم رغبة أردوغان في خفض تكلفة الاقتراض لتعزيز الاستثمار وتحفيز الاقتصاد، مع قلق المستثمرين من التضخم والعجز في الحساب الجاري.

ليست شرًا محضًا.. لهذه الأسباب قد تستفيد تركيا الآن من قروض صندوق النقد الدولي

وفي الوقت الذي يرى فيه محللون، ومنهم ماتيس من رابوبنك أن إشراف صندوق النقد الدولي على الإصلاحات، سيساهم في استعادة ثقة المستثمرين، يظل هذا الخيار مستبعدًا بالنسبة للرئيس الذي كرر أكثر من مرة أن تركيا لا تحتاج للصندوق، لكن هذا الخيار ينظر إليه بوصفه علاجًا مرًا قد يساعد تركيا في هذه المرحلة.

ودائمًا ما يقال إن موافقة صندوق النقد الدولي على أي قرض لأي دولة بمثابة شهادة ثقة في اقتصاد هذه الدولة، إذ إن الجانب المعنوي -من حيث التفاؤل بمستقبل الاقتصاد- هو الشق الأهم في قروض النقد الدولي، وغالبًا لا يقدم الصندوق قروضًا تغطي الفجوة التمويلية التي تعاني منها الدولة، ولكن يعتمد اعتمادًا كبيرًا على بث روح التفاؤل بين المستثمرين في اقتصاد هذه الدولة، ويمكن القول إن هذا الأمر بالتحديد هو الذي تحتاجه تركيا حاليًا.

فكما يقول جيومي تريسكا كبير استراتيجيي الأسواق الناشئة في «كريدي أجريكول»، إن السؤال الصحيح الآن هو: لماذا سترتفع الليرة التركية؟ موضحًا أنه لا يوجد أي أنباء إيجابية قد تدعم ارتفاعها، مضيفًا أن خطة ألبيرق لم تبدد بواعث قلق السوق، ولم تقدم أي جديد، مع استمرار تراجع صافي الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي.

الآمال موجودة ولكن.. تحسن بطيء تخيم عليه الأزمات السياسية

من ناحية أخرى وبالرغم من تراجع النمو، ما زالت هناك آمال تشير إلى أن الأمور قد تتغير في المستقبل القريب، إذ أظهرت بيانات من وزارة التجارة أن العجز التجاري هبط 55.73% على أساس سنوي إلى 2.97 مليار دولار في أبريل الماضي، وهي نسبة كبيرة تشير إلى تحسن قوي على مستوى الاقتصاد الحقيقي.

وجاء هذا التحسن مدعومًا بتراجع الواردات بنسبة 15.04% إلى 17.46 مليار دولار، وزيادة الصادرات 4.67% إلى 14.49 مليار دولار، وهو الشهر نفسه الذي شهد تراجع التضخم السنوي إلى 19.50%، وهو ما جاء دون التوقعات، انخفاضًا من 19.71% في الشهر السابق عليه.

وفي اتجاه التحسن ذاته، أظهرت بيانات من «معهد الإحصاء» قفزة 4.6% في إيرادات السياحة التركية للربع الأول من العام، لتصل إلى 4.63 مليار دولار، وهي بالطبع أرقام مهمة تدعم استقرار الليرة لكن لا يتم ترويجها بصورة جيدة؛ مما يجعل الأنباء السلبية تسيطر سيطرة أكبر، وهو ما يقود الليرة للهبوط دائمًا.

وعلى رأس السلبيات الذي كان لها تأثير في استقرار الاقتصاد التركي، إنهاء الولايات المتحدة لإعفاءات كانت منحتها لبعض مشتريات خام النفط من إيران، كان من بينها تركيا، إذ كشف وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو، أن بلاده لا يمكنها تنويع وارداتها النفطية بسرعة، وهو ما مثل ضغطًا إضافيًّا على قطاع الطاقة.

ويمر قطاع الطاقة في تركيا بوضع حرج، إذ أكد نائب المدير العام في «جارانتي بنك»، أن القطاع لديه قروض قيمتها 12 إلى 13 مليار دولار تحتاج لإعادة هيكلة، من بين إجمالي قروض القطاع البالغة 70 مليار دولار، موضحًا أن القروض التي تحتاج لإعادة هيكلة قد تشكل مشكلة بعد إعادة الهيكلة.

لماذا تسعى تركيا إلى تحسين العلاقات مع العراق؟

 

المصادر

عرض التعليقات
s