أعلنت أطراف الأزمة الليبية الموافقة على وقفٍ إنساني لإطلاق النار، لمواجهة أي انتشار محتمل لفيروس كورونا في المناطق التي تشهد اشتباكات مسلحة منذ نحو عام، وذلك بعدما طال الفيروس نحو 170 دولة، وأصاب أكثر من 420 ألف شخص، توفي منهم نحو 18 ألفًا، ورغم أن ليبيا لم تسجل سوى إصابةٍ واحدة فقط، فإنّ الأمم المتحدة تُعزي ذلك لنقص الإمكانيات الطبية للكشف عن الفيروس لا أكثر. 

والهدنة الجديدة التي سُرعان ما وافق عليها رئيس حكومة الوفاق المعترف بها دوليًّا، والجنرال الليبي المتقاعد خليفة حفتر، تأتي بعد أيامٍ من دعوة الاتحاد الأوروبي وتسع دولٍ لاستئناف الحل السياسي، ووقف نقل جميع المعدات العسكرية والأفراد العسكريين إلى ليبيا.

التقرير التالي يشرح لك الحسابات السياسية التي دفعت كل طرفٍ للموافقة على الهدنة، ولماذا سيظل الحل العسكري هو الأقرب لحسم الصراع بين فرقاء ليبيا.

ليست الكورونا.. لماذا وافق حفتر سريعًا على الهدنة؟

منذ أن أعلنت منظمة الصحة العالمية فيروس كورونا وباءً عالميًّا، وحفتر لا يستجيب لدعوات أممية دولية بالإضافة لدعوات دول إقليمية داعمة له، من أجل وقفٍ فوريٍّ لإطلاق النار لأسبابٍ إنسانية، ومنع تفشي المرض، لكنّ الجنرال الذي لم يعبأ بدعوات حلفائه وخصومه، أصرَّ على إكمال المعركة التي بدأها قبل عامٍ دون جدوى لإسقاط العاصمة الليبية طرابلس.

لكنّ فجأة، قرر أمير الحرب الليبي نزع زيِّه العسكري، وظهر بمظهر صانع السلام، عبر البيان الذي أصدرته القيادة العامة لقوات شرق ليبيا، وأعلنت فيه ترحيبها بالهدنة، وأنها أكثر الأطراف التزامًا بوقف القتال، والموقف الجديد جاء بعد أيام من محاولةٍ أخرى فاشلة لقواته في التقدم صوب عدة محاور جنوب العاصمة، أسفرت عن مقتل 24 سودانيًّا في صفوفه.

اللافت أنّه لم تمض ساعاتٍ على وقف إطلاق النار، حتى أعلنت حكومة الوفاق أن قوات حفتر هاجمت محور عين زارة جنوب طرابلس، رغم قبولها بالهدنة الإنسانية، كما أعلن المركز الإعلامي لعملية بركان الغضب التابعة للوفاق، ضبط سفينةٍ تنقل وقود الطيران لقوات الجنرال الليبي، التي تستمر في قصف العاصمة بالمدفعية من حينٍ لآخر.

والجنرال الليبي الذي أصبح محط أنظار الجميع بعدما فرض اسمه سياسيًّا وحضوره عسكريًّا في أغلب الأراضي الليبية؛ لم تتمكن حتى الآن قوى دولية أو ميليشيات محلية من إجباره على إنهاء الحرب، وتوقيع مبادرة سياسية لإنهاء الأزمة الليبية، أو حتى توقيع عقوباتٍ عليه لخرقه المتواصل لاتفاقيات وقف إطلاق النار.

يُعلِّق الصحافي الليبي عبد السلام الراجحي لـ«ساسة بوست» على خرق الهدنة سريًعا بالقول: «لا يمكن محاسبة حفتر قانونيًّا على خرقه المستمر لوقف إطلاق النار؛ لأنه لم يوقع على أية نصوص أو اتفاقيات دولية مُلزمة، كما أنه لا توجد أية قوات أممية في طرابلس لمراقبة أي اتفاق سلام».

اللافت أنّ حفتر الذي رفض في يناير (كانون الثاني) الماضي التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار، الذي فرضته روسيا وتركيا على طرفي النزاع، سُرعان ما أعلن قبوله للهدنة الحالية، رغم عدم إعلان اكتشاف حالات مُصابة بفيروس كورونا داخل ليبيا، سوى حالةٍ واحدة تكتمت السُلطات بشأن تفاصيلها، وهو ما يفتح تساؤلاتٍ عن الرؤية السياسية والعسكرية التي يزن بها الجنرال الليبي موقفه.

عربي

منذ 11 شهر
«معركة طرابلس».. ماذا تعرف عن جيش حكومة الوفاق الذي يقاتل حفتر؟

ومن وجهة نظرٍ عسكرية، يستند البروفيسور أندرياس ديتمان، من المعهد الجغرافي في جامعة غيسن، في الطرح الذي قاله لموقع «دويتشه فيله»، إلى أن: «الاتفاق الروسي التركي لم يكن ليساعد حفتر، وإنما يساعد معارضيه؛ لأنّ الهدنة كانت ستسمح لتركيا بنقل الإمدادات العسكرية إلى حكومة طرابلس»، لذا لم يُبد حفتر احترامًا لوساطة روسيا، وأعلن رفضه توقيع الهدنة، وهو على أراضيها.

لكنّ الموقف السياسي العسكري لحفتر تغيّر بعد أقل من شهرين على الهدنة الأخيرة؛ فقرار وقف إطلاق النار الحالي يستند في بنوده الرئيسية الحالية إلى وقف نقل جميع المعدات العسكرية والأفراد العسكريين إلى ليبيا، وهو الشرط الذي كان غائبًا في الهدنة الأولى، وهو ما يعد على المدى الطويل، ليس في صالح الوفاق، التي وصلت أخيرًا إلى توازن عسكري ضد حفتر.

ومن وجهة نظرٍ سياسية، ففي ظل التقارب الروسي التركي الأخير حول إدلب السورية لوقف القتال وإنشاء مناطق آمنة، هو ما دفع حفتر للقبول سريعًا بهدنةٍ، خوفًا من ترتيباتٍ أعلنها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، خلال المباحثات الأخيرة بينهما، بوصفهما أهم طرفين دوليين فاعلين في ليبيا.

وسبق لأردوغان أن أعلن تسوية صفقة مع بوتين مفادها سحب الأخير مرتزقة «فاجنر»، وهي ورقة الضغط التي تمتلكها روسيا بوصف تلك القوات – كما يصفها أردوغان – السلاح الفاعل بيد حفتر في محيط طرابلس، ودونها لن يكون للأسلحة الإماراتية أي مفعول في الحرب؛ لأنهم يشغلون أغلب العتاد العسكري، بما فيه منظومات الدفاع الجوي، والطائرات المسيرة، بحسب وصف الرئيس التركي.

وتعوِّل أطراف دولية على الهدنة الحالية في استئناف مفاوضات وقف إطلاق النار «5+5»، والتي ضمت خمسة عسكريين ممثلين لكل طرف، لكن الأمل يتضاءل في كل مرة يخرق فيها الجنرال الليبي وعوده.

لماذا لن يصبح حفتر رجل السلام في ليبيا؟

فرض حفتر نفسه عسكريًّا في أغلب الأراضي الليبية عبر شعار «محاربة الإرهاب»، ثم أعلن طموحه وخاض محاولة انقلابٍ فاشلة عام 2014، تبعها رفضه اتفاق «الصخيرات» الذي يعد التسوية السياسية الأهم في الأزمة الليبية، وأخيرًا يخوض معركته الأخيرة على أسوار طرابلس بعدما أصبح يمتلك «شرعية القوة» المدججة بالسلاح.

ويتصارع على الحكم في ليبيا سلطتان متناحرتان؛ «حكومة الوفاق الوطني» المعترف بها دوليًّا، ومقرها طرابلس، ومنافستها في شرق ليبيا، «الحكومة المؤقتة» المدعومة من مجلس النواب الليبي وقوات شرق الليبي، المعروفة باسم الجيش الوطني الليبي.

وعلى خلاف السياسة العسكرية المُعلنة التي يسوقها الجنرال الليبي، لا يمانع حفتر من حضور كافة المبادرات الأممية التي يروّج فيها لنفسه بوصفه رجل السلام والحل في ليبيا، لكنه يسوق رفضه وخرقه في كل مرة للمبادرات الدولية بممارسات حكومة الوفاق، التي تدفعه لسحب يده في كل مرة، كما يقول مؤيدون لأمير الحرب الليبي.

وكانت حكومة الوفاق قد وقَّعت اتفاقًا أمنيًّا مع تركيا، أرسلت أنقرة بموجبه عتادًا عسكريًّا يهدف لمنع سقوط طرابلس بأي ثمن، وهي الخطوة التي قوَّضت انتصارات حفتر الأخيرة، ومنعته من دخول العاصمة.

ويرفض حفتر حتى الآن توقيع هدنة غير مشروطةٍ لوقف إطلاق النار إلا بعد الموافقة على شروطه المتمثلة في وقف إمدادات السلاح التركي لطرابلس، وإخراج تركيا من المراقبة على أية اتفاقاتٍ بخصوص ليبيا، ومنح قواته السيطرة الكاملة على الساحل الليبي، بالإضافة لتسليم الميليشيات المرابطة في العاصمة سلاحها، وهو ما ترفضه حكومة الوفاق وتعده شروط منتصر لجنرالٍ مهزوم.

أما على الجانب السياسي، فحفتر يرفض قرار المحكمة الإدارية العُليا الليبية عام 2017 غير القابلٍ للطعن، والذي حدد مسار العملية السياسية بكتابة الدستور أولًا قبل إجراء الانتخابات الرئاسية، وهو القرار الذي يعترض عليه كلٌ من المشير خليفة حفتر، والبرلمان الليبي.

وعلى مستوى الشركاء السياسيين، فالجنرال الليبي لا يعترف أصلًا بوجود حكومة السراج المُعترف بها دوليًّا، كما يرفضُ إشراك الإسلاميين في الحكم، ويرى ضرورة القضاء على التنظيمات الإسلامية، وسبق لحفتر أن رفض وساطات مصرية لإنهاء الأزمة قضت بتشكيل حكومة أزمة مصغرة يحتفظ حفتر فيها بمنصبه، لكنه رفض مبدأ المشاركة في الحكم.

وفي آخر مبادرة دولية لإنهاء الأزمة الليبية عُقد مؤتمر برلين بمشاركة أربع منظمات دولية هي الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والاتحاد الأفريقي، والجامعة العربية، وبحضور 12 دولة، وجاءت مُخرجاته على الوقف الفوري لإطلاق النار، لكن حفتر استمر في قصف طرابلس، حتى إنه قبل ذهابه للمؤتمر، أغلقت قواته قبل شهرين موانئ النفط الرئيسية في شرق ليبيا، وهو ما أوقف نصف صادرات البلاد.

ويمكن القول إن نوايا حفتر، مُعلنة منذ البداية، عبر التوصيف الذي أطلقه المتحدث باسم قوات الجنرال الليبي، أحمد المسماري، والذي قال إنَّ وقت المفاوضات السياسية انتهى، وأنه حان الآن وقت البندقية، وهو ما يرسم مسارًا أحاديًّا للأزمة الليبية ممثلًا في السلاح وحده، وهو الخيار الذي يفرضه حفتر على الجميع.

كورونا لن تغير شيئًا.. لماذا بات الحل في ليبيا عسكريًّا؟

حاليًا لا يوجد في ليبيا سيناريو لاستكمال المفاوضات السياسية، بالإضافة إلى أنّ كل طرف لا يمتلك ميزانية اقتصادية لمواجهة فيروس كورونا في حال أصبح وباءً داخليًّا، وفي ظل إغلاق موانئ وحقول النفط وتخفيض الإنتاج، وتفاقهم الخسائر التي بلغت قرابة 3.5 مليارات دولار، وفقًا للمؤسسة الوطنية للنفط، إضافة إلى حرب أسعار النفط التي أطلقتها السعودية، وتسببت في خفض ثلث ميزانية حكومة الوفاق، لا يجد أي طرف حلًّا في ليبيا سوى الحل العسكري الذي تؤيده مُعطيات أخرى على الأرض.

ومن بين كل الكتائب غير النظامية والميليشيات، برزت ميليشيات حفتر تحت اسم «الجيش النظامي»، والتي فرض عليها الجنرال الليبي منذ البداية صورةً انضباطية موزعة على ألوية وكتائب في رسالةٍ بثّها للجميع، توضح قدرته على إعادة الاستقرار بوصفه رجل دولة، وهي الورقة الرابحة التي يستغلها جيدًا طيلة سنواتٍ من عُمر الأزمة الليبية.

وعلى الجانب السياسي، لم يكن لحفتر محطاتٍ بارزة سوى أنه استفاد من انعكاس الأحداث على الوضع الإقليمي، وتحوُّل ليبيا إلى ساحة حربٍ بالوكالة حصد منها مكاسب كبرى، أبرزها تراجع الدعم الدولي لحكومة الوفاق، التي طالبت المجتمع الدولي بفرض عقوبات على حفتر أو الدول الداعمة له، وفي ظل وصول الأزمة الليبية لطريق مسدود عبر المبادرات السياسية، لم يكن أمام أوروبا على ما يبدو سوى تجاهل الصراع العسكري، على أمل أن يفرض المنتصر شرعيته السياسية.

من وجهة نظر غربية، يظل حفتر أقوى رجلٍ في ليبيا، كونه يمتلك جيشًا قوامه 60 ألف مقاتل يمثل وحيدًا نواة الدولة الوليدة، عكس حكومة الوفاق التي تفتخر بالميليشيات التي سبق أن حوَّلت العاصمة لحرب شوارع باستخدام الأسلحة المتوسطة والثقيلة، والتي أظهرت السراج في صورة الضعيف، وتفتح بابًا جديدًا للصراع حول طرابلس في حال نجحت تلك الميليشيات في هزيمة حفتر.

كما يبني حلفاء حفتر تصورهم على أنَّه في حال خسارة حليفهم، فستغرق ليبيا في أزمة جديدة بسبب صراع الميليشيات الداعمة لحكومة الوفاق على الحكم، وهي التي سبق أن حاولت فرض انقلاب في طرابلس أواخر عام 2018.

عربي

منذ شهر
خليفة حفتر الذي لا نعرفه.. أسير «حرب تشاد» المهووس بتجربة القذافي

وتكمن أزمة حلفاء الجنرال الليبي مع السراج تحديدًا، في كون الأخير لا يُمانع إشراك الإسلاميين في الحكم وفي العملية السياسية؛ ضمانًا للاستقرار – وهو توجه الجزائر وتونس نفسه – إلا أنّ حفتر والدول الداعمة له لا تتصور أن يعود الإسلام السياسي إلى الحُكم مرة أخرى في البلدان العربية، خاصة بعدما طلبت الوفاق تدخل تركيا رسميًّا بقواتها.

وسبق أن حاولت القوى الخارجية مرارًا عقد لقاء منفرد بين حفتر والسراج، بعيدًا عن الإسلاميين، للاتفاق على مبادرة، وتقاسم السلطات، وتحديد موعد الاستفتاء على الدستور والانتخابات البرلمانية والرئاسية، إلا أنّ المفاوضات غالبًا ما تفشل، وهو ما يعني استمرار الحل العسكري ليكون بديلًا وحيدًا لحل الأزمة الليبية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد