يطلق عليهن «عاشقات الله»، هن النساء اللواتي يتخذن من الزهد والعشق الإلهي طريقًا للوصولِ إلى الله. قد نجد الكثير من المؤلفات التي تتناول مكانة المرأة في الإسلام، إلا أننا عند الحديث عن التصوف، نتوقف دائمًا عند اسم «رابعة العدوية» أشهر نموذج عن تصوف النساء في الإسلام، مما يجعلنا نتساءل، هل كان للمرأة دور كبير في التصوف الإسلامي، وهل يمكن أن تصبح الأنثى ولية من «أولياء الله»؟

كان ذلك موضوع الدراسة التي نشرتها المستشرقة الألمانية، آنا ماري شيمل، في كتابها «روحي أنثى»؛ إذ تناولت مفهوم الأنوثة في الإسلام، وألقت الضوء على حضور النساء في عالم التصوف، ومن هذا المنطلق سنتناول في السطور التالية، سيرة أكثر من أنثى، كان لها دور باعتبارها معلمة روحية، ووصلن إلى أعلى درجات التصوف، وهي درجة «القطب الصوفي».

عن عنصر «الأنوثة» في الإسلام

في القرآن، جاءت لفظة «النفس» مؤنثة نحويًا، وهو الأمر الذي أدى إلى تصوير الروح والنفس بالمرأة في كتابات المتصوفة المسلمين. إلى جانب ذلك، لعبت الأم دورًا محوريًا في الإسلام، فهي واهبة الحياة، حتى أن كلمة «رحمة» وهي صفة من صفات الله ومنها تكونت أسماؤه «الرحمن الرحيم»، قد جاءت من الأصل العربي لكلمة «رحم» -أي رحم المرأة؛ فيقول عن ذلك جلال الدين الرومي أن الله هو ملجأ كل البشر كما الأم ملجأ للطفل.

عن ذلك تقول المستشرقة الألمانية آنا ماري شيمل أن القصص القرآنية قد شملت أكثر من سيدة بالذكر، كان من بينهن بالطبع «حواء» المرأة الأولى التي كانت -بحسب شيمل- هدية إلهية لآدم، لتؤنس وحدته، وهناك زليخة زوجة عزيز مصر التي احترقت بعشقها ليوسف، وبلقيس ملكة سبأ التي اتبعت الملك سليمان وآمنت بدعوته، ومن ثم جاءت «مريم العذراء»، التي حظيت بمكانة عالية في الإسلام لتكون من أول من يدخل الجنة من البشر. 

في الحقيقة، إذا أردنا الحديث عن «الأنوثة» في الإسلام، لا يمكن أن نغفل دور مريم، التي أورد لها كبار شعراء التصوف عشرات الأبيات من كتاباتهم؛ حتى أن شيخ الصوفية محيي الدين بن عربي وجد فيها المعادل الأنثوي للخلق؛ فيقول عن ذلك: «كيف للأنثى أن تظهر من الذكر من دون وسيط الأم (مثلما كان حال حواء)، لذلك كان لا بد من أن تظهر ذات ذكورية من ذات أنثوية دون وسيط الأب، حتى يظل توازن نشاط الخلق الإلهي محفوظًا بشكلٍ ما»، فأصبحت بذلك مريم الأنثى القادرة على نشاط الخلق بحضورها المباشر مع الإلهي؛ إذ أصبحت مريم في الشعر الصوفي رمزًا للأرض والأزهار والماء المبارك.

ثقافة

منذ 5 شهور
«داخل كل منا مسيح ينتظر الولادة».. عيسى ومريم بعيون المتصوفة المسلمين

إلى جانب قداسة مريم، تناول القرآن المؤمنات والمسلمات تمامًا مثلما تناول في حديثه المؤمنون والمسلمون من الرجال، فكلاهما تنطبق عليه نفس الواجبات الدينية؛ وقد أصبح وضع المرأة في القرآن بحسب المستشرقة شيمل، أفضل بكثير مما كان عليه قبل الإسلام، وتستشهد في ذلك بآيات تنظيم «المواريث»؛ إذ مكنت المرأة من أن ترث، وهو أمر بحسب شيمل، لم يكن متاحًا من قبل. كما أن القرآن قد خلا من مفهوم الخطيئة الأولى، ولم ترد فيه أية إشارات يمكن أن تجعل من «حواء» المسؤولة عن خطيئة الخروج من الجنة.

«حُبب إليَّ من دنياكم الطيبُ والنساء، وجُعلت قرة عيني في الصلاة». *حديث للرسول محمد

أما عن النساء في الأحاديث النبوية، فقد أوصى رسول الإسلام بمعاملة النساء باللين، كما شبههن بالطيب وهو العطر؛ وهو ما تشير إليه المستشرقة الألمانية بقولها إن العصر المبكر للنساء في الإسلام، وهو عصر النبي، كان حافلًا بسيدات ناشطات، وهو ما يؤكد أن مكانة المرأة لم تنحدر إلا بعد انتهاء عصر النبي وصحابته، عن ذلك تقول: «كانت زوجته عائشة التي تولت أمر نقل الكثير عن حياة النبي الخاصة بعد موته»، وكيف لا وهي التي شهد لها رسول الإسلام بنفسه برجاحة العقل. 

إلى جانب ذلك تناولت شيمل مكانة بنات النبي الأربعة، إلا أنها خصت بالذكر فاطمة، والتي حظيت بمكانة «الأم الحزينة»، وذلك على الرغم من أن وفاتها قد سبقت مقتل ابنها الأصغر بنصف قرن، فاسموها «الزهراء» و«البتول» و«المعصومة»؛ أي المعصومة من الذنوب، وإلى جانب مكانتها عند السنة وضعها الشيعة أيضًا في رتبة أعلى من البشر، وفي الصوفية عرفت بـ«أم أبيها» وقد تناولتها الكثير من الحكايات التراثية التي صورتها أسوة حسنة للفتاة المسلمة لما اشتهرت به من الكرم مع الفقراء وحياة الزهد. 

نتيجة لذلك، كان لا عجب في أن تلعب النساء في التصوف الإسلامي دورًا محوريًا، ليس فقط من خلال ما عرفناه من أشعار المتصوفة الرجال الذين اعتمدوا على العنصر الأنثوي في كتاباتهم من خلال تيمات «المرأة-الدنيا» و«الأم التي تهب الحياة» و«العذراء»؛ بل من خلال الانتقال بالتصوف من «الزهد القاتم» إلى رحابة «الحب الصوفي»، بحسب شيمل؛ وهو الدور الذي لعبته «رابعة العدوية».

«رابعة العدوية».. وبداية العشق الإلهي

«أريد أن أطفئ جهنم بالماء وأشعل النار في الجنة حتى يختفي حجابهم، وليعبد الله الناسُ لا خوفًا من جحيمه ولا طمعًا في جنته، ولكن ليعبدوه وحده فقط من أجل جماله الأبدي». *رابعة العدوية

قالوا عن رابعة أنها أول من أرست قواعد الحب والحزن في «التصوف الإسلامي»، وقد عرفت بـ«شهيدة العشق الإلهي»، فقد ذكرها الجاحظ في كتابيه ضمن الزهاد والنساك من أهل البيان، ويرجح أنها ولدت سنة 105 هـ وتوفيت عام 185 هـ وهي تواريخ غير دقيقة نظرًا لوجود بعض المصادر التي تشير إلى وفاتها عام 135هـ، وأنها عمرت 80 عامًا؛ وهي بحسب شيمل من أوائل المتصوفة الذين تحولوا بالتصوف من الزهد القاتم إلى العشق الإلهي ومناجاة المحبوب الأعلى، وقد لقبت برابعة البصرة، إذ كانت مدينة البصرة هي مسقط رأسها.

ذكرها فريد الدين العطار في ملحمته «إلهي نامة» عندما تحدث عن نور الله، كما تناول فقرها وكيف كانت تعيش في العطش والجوع؛ إلا أنها احتملت آلام الدنيا من أجل التقرب إلى الله، بل كانت تلك الآلام ترتبط لديها بالتجليات الدينية، فتقول عنها: «اليوم قد ذكرني خلي»، وعندما كانت لا تأتيها تلك الآلام كانت تنتحب قائلة: «ماذا أذنبت لكي لا تذكرني؟».

(قصيدة عرفت الهوى لرابعة العدوية)

عن رابعة تشير الباحثة عزة جلال في دراستها «سيرة المتصوفات في التاريخ الإسلامي» أن دور رابعة العدوية قد أضاف إلى مفهوم التصوف جانبًا جديدًا وهو «العشق الإلهي»؛ إذ تعاملت -بحسب الباحثة- مع الذات القدسية بوصفها معشوقًا، وهو ما توارثه من بعدها المتصوفون؛ إذ كان بمثابة طفرة فلسفية روحية في التصوف بحسب عزة جلال.

وعلى الرغم من انقسام المصادر التاريخية حول الجزء الأول من حياة «رابعة العدوية»، فتصفها بعض الروايات بالانغماس في الملذات والمعاصي، لتصبح بذلك نموذجًا للمرأة التائبة، وهناك بعض المصادر التي تشير إلى أنها عاشت بلا بيت ولا زوج ولا مال، إلا أن رابعة بإجماع المصادر قد تمكنت من التزام حياة الزهد في النصف الثاني من حياتها، واتخذت من البكاء والخوف والتهجد في الليل طريقًا للوصل مع الله ومغالبة النفس، وقد رويت عنها الكثير من النوادر والأساطير والشطحات، التي جعلت مؤرخي عصرها ومفكريه ينسبون إليها الكثير من الكرامات، بحسب ماري شيمل، ومنها أن أصابعها كانت تضيء ليلًا كالمصابيح، وأن الكعبة قد أتت إليها لأداء فريضة الحج.

«مريم البصرية» شريكة رابعة العدوية

لم تكن رابعة البصرة هي السيدة المتصوفة الوحيدة في زمنها، إلا أن دورها المحوري قد أدى إلى أن تصبح كل امرأة زاهدة عاشقة، هي رابعة عصرها، وقد عاصرها كثيرات ممن حملن نفس الاسم واتخذن نفس الطريق، في البصرة كانت هناك رابعة القيسية، وفي مصر أقامت رابعة بنت إسماعيل، وهي من العابدات وكان يتردد عليها الإمام الشافعي ويصلي التراويح في مسجدها، كما كان هناك رابعة البغدادية التي توفيت ودفنت في دمشق، ورابعة البدوية وقبرها في ضواحي القدس الشريف.

أما مريم البصرية، وهي من أهل البصرة، فلم تكن معاصرة لرابعة العدوية فقط، بل إحدى شريكاتها؛ إذ جلست معها وعملت على خدمتها حتى وفاتها، وعاشت بعد رابعة زمنًا، ويشير نور الدين عبد الرحمن الجامي في كتابه «نفحات الأنس من حضرات القدس» إلى أنها تكلمت بالمحبة، مما يدل على أنها اتبعت طريق العشق الإلهي.

وعن موتها يقول: «حضرت في مجلس كان فيه كلام المحبة، فاحترق كبدها، وماتت في ذلك المجلس»، إذ كانت كلمات المحبة الإلهية أقوى من أن تتحملها تلك التي ذكر عنها أحمد بن أبي الحواري قولها: «ما اهتممت بالرزق وما تعبت في طلبه، منذ سمعت الله يقول: (وفي السماء رزقكم وما توعدون)». كانت آنا ماري شيمل قد أشارت إلى مريم البصرية في كتابها أيضًا، قائلة أنها منذ أن عرفت الحب الإلهي حتى سقطت فيه خائرة قواها، وأنها توفيت من الحب في إحدى حلقات الذكر.

«رجال الله».. في ذكر النساء التقيات

تشير آنا ماري شيمل إلى أن ما وصل إلينا من سير النساء العابدات، كان يشير إلى وجود نشاط صوفي نسائي مكثف امتد من العصور الإسلامية الأولى وحتى العصور الوسطى، وقد كان يطلق عليهن: «رجال الله» في إشارة إلى أن المرأة إن توجهت إلى طريق الله، ليست بأنثى وإنما بالأحرى رجل، وقد فسر محيي الدين بن عربي ذلك بمعنى «الرجولة الحقيقة» التي تكتمل بتطهر الإنسان بنور العقل وتركه ظلام الشهوات وملذات الدنيا، فليست كل امرأة امرأة، وليس كل رجل رجلًا، كما ورد في الشعر الفارسي.

على مر عصور التصوف الإسلامي، كان هناك الكثير من النساء العابدات اللواتي حظين بلقب «رجل الله»، أمثال فاطمة من أندربات، وهي سيدة من الأولياء عاشت بالقرب من دلهي في الهند، وتوفت عام 1300م، وقد ذكرت تلك السيدة في التقاليد الهندية للطريقة الشيشتية بأنها عرفت التدين الشديد وقدرات روحانية عالية، جعلت من عاصروها يلقبونها برجل الله؛ لكنها مثلت على الأرض في جسد أنثى، وهو ما كان يمثل دليلًا على مكانتها الروحانية، وقد ارتبطت هذه الصورة بالتعبير عن النساء التقيات، وقد سميت رابعة العدوية بينهم بـ«تاج الرجال».

رغم ذلك لم نعرف سوى القليل عن النساء الزاهدات وحياتهن، وهي بعض الأخبار التي ذكرت هنا وهناك؛ فتشير الباحثة عزة جلال إلى أن هناك قلة في المعلومات التاريخية التي وردت عن التقيات من النساء وطرقهن ومجالس ذكرهن ربما يرجع سببها إلى تقاعس المؤرخين أو التلاميذ في جمع أخبار وسير شيخاتهن، أو ربما يكون السبب الأدق هو كون الأتباع والتلاميذ عادةً كانوا من النساء، وفي السطور التالية نذكر ما تيسر لنا من سير الشيخات الصوفيات اللواتي اشتهرن بالزهد.

الصحابية أم حرام بنت ملحان «راكبة البحر»

كانت أم حرام بنت ملحان فضلًا عن كونها من الصحابيات وقريبة النبي محمد، تعرف باعتبارها واحدة من أولى الزاهدات اللواتي عرفن طريق الله -بحسب ماري شيمل، حتى أنها لقبت بـ«المرأة الصالحة»، وقد كانت أول شهيدة تركب البحر من النساء؛ إذ شاركت في إحدى معارك الجهاد ضد قبرص خلال عصر الخليفة عثمان بن عفان، بناءً على رغبتها، وهناك يقال إنها سقطت عن دابتها فتوفيت، وقد دفنت حيث ماتت وأنشئ لها مسجد بجانب قبرها الذي يعرف حتى الآن بقبر المرأة الصالحة.

بحرية الموصلية

أتى ذكر بحرية الموصلية أيضًا بين النساء التقيات على الرغم من قلة ما ذكر عنها بالمصادر؛ وقد عرفت بالعابدة، إذ كانت من عارفات البصريين، كما تشير ماري شيمل، هي التي بكت من العشق الإلهي حتى أصبحت كفيفة؛ إلا أن نعمة النظر بالنسبة إليها لم تكن لتقف حائلًا بينها وبين الرؤية، هي التي قالت إن العمى الظاهر يجلي بصر عشاق الله.

ريحانة الوالهة

قيل عنها إنها كانت من النساء المتعبدات في زمان صالح المري، وقد سكنت البصرة؛ وقد ذكر عنها عبد الرحمن الجامي في كتابه قولها لهذه الأبيات: «أنت أنسي وهمتي وسروري، أبى القلب أن يحب سواكا، يا عزيزي وهمتي ومُرادي، طال شوقي متى يكون لقاكا».

شعوانة

يذكرها عبد الرحمن الجامي أيضًا في كتابه السابق ذكره، فيقول عنها إنها من العجم، وأقامت في الأبلة -وهي بلدة على شاطئ دجلة البصرة، وقد كانت من الباكيات الخائفات، اللواتي ألفن الزهد ومجالس الذكر، حتى أن معاصريها قد خشوا عليها من أن يذهب البكاء بصرها عنها.

«العين التي تحتجب عن لقاء المحبوب وتكون مشتاقة إلى رؤيته، لا ينبغي أن تكون بلا بكاء». *من أقوال شعوانة

عندما وصلت المرأة إلى درجة «القطب الصوفي»

كان إلباس المرء «خرقة التصوف» يعد من المراحل الفاصلة في حياة المريد، إذ تعني بدخوله كليًا في حياة الزهد وتخليه عن مباهج الدنيا، وعلى الرغم من أنه أمر قد يبدو محصورًا في المتصوفة من الرجال؛ إلا أن الشيخ المتصوف محيي الدين بن عربي قد ألبس الخرقة لـ14 امرأة كن من تلميذاته، وهو ما يدل على وصول المرأة إلى أعلى درجات التصوف وهي الشيخة «القطب»؛ وهو أمر يستدل عليه مما ذكر في المصادر عن الأميرة بيبي جمال خاتون، التي أراد مرشدها الصوفي في الطريقة القادرية، وهو المولا شاه المتوفي عام 1661- أن يجعل منها خلفًا له، وقد كانت الأميرة من قديسات إقليم السند، وهبت نفسها للزهد والصلاة والتأمل في خلوة خاصة بها، وذلك بعد زواج دام مدة 10 سنوات.

مجتمع

منذ 3 سنوات
«الحب مقامٌ إلهيٌ».. أسرار العشق بين التصوف الإسلامي والمسيحي

عن ذلك تشير الباحثة عزة جلال في دراستها إلى أن درجة الشيخة القطب قد كانت شائعة في أفريقيا وبلاد المغرب العربي؛ إذ عرفت تلك المناطق شيخات متصوفات لهن مدارس وطلاب علم، أمثال عائشة العدوية التي عاشت بين أهل مكناس في المغرب العربي وانتفعوا من علمها وعرفت العشق الإلهي حتى وفاتها عام 1080 هـ، فأصبح قبرها من أشهر مزارات المدينة، وهناك أيضًا شبكة البصرية التي تحولت سراديب بيتها إلى أماكن طلب علم للتلميذات والمريدات ممن يرغبن في تعلم أصول الدين والمعاملة، مما يؤكد كسر النساء عبر العصور للقاعدة السائدة عن استبداد الرجال بمجالس العلم الصوفي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد