جذبت المشاركة المميّزة للمنتخب الجزائري في نهائيات أمم أفريقيا 2019 انتباه الكثيرين من متابعي الكرة، خاصة مع امتلاك المنتخب لاعبين معروفين على الصعيد العالمي كرياض محرز مهاجم مانشستر سيتي الإنجليزي، إلا أنّ هنالك أسماء لم يصل صداها إلى العالم إلا من خلال تألّقها في البطولة، ومن بين هؤلاء اللاعبين، مهاجم الترجّي التونسي يوسف بلايلي.

أداء اللاعب المهاري ومراوغاته الممتعة وسط المدافعين وروحه القتاليّة جعلت الكثير من وسائل الإعلام تسلّط الضوء على هذه الموهبة، خصوصًا وأنّه قد تخرّج من البطولة الوطنيّة الجزائريّة، وهو ما يُحيل إلى الفكرة المغلوطة الشائعة بأن المنتخب الجزائري يتكوّن بشكل رئيسيّ من المغتربين وأبناء المهاجرين، وإن كان ذلك ينطبق فعلًا على العديد من الأسماء، وعلى رأسهم محرز وفيغولي وماندي والحارس مبولحي.

المدرّب بلماضي استعان أيضًا في التشكيلة بأسماء تخرّجت من قلب البطولة الجزائريّة قبل أن يحترفوا في الخارج، من بينهم المدافع صاحب الأداء المتميّز بلعمري، وبن سبعيني والمهاجم بغداد بونجّاح وعطّال، بالإضافة إلى الجناح المشاغب يوسف بلايلي الذي يلعب في الترجّي التونسي.

لكن قصّة بلايلي أبعد من مجرّد لاعب متألق ومراوغ ماهر، فالأحداث الجنونيّة التي عاشها خلال مسيرته الكرويّة تجعل منها قصّة تستحق أن تروى، خصوصًا بعد صعوده إلى أعلى مراتب المجد في البطولة الجزائريّة مع اتحاد العاصمة، وسيطرته المطلقة على الملاعب الجزائريّة بأهدافه ومهاراته، ممّا جعله أحسن لاعب في البطولة دون منازع، والأعلى أجرًا والأكثر عشقًا من طرف أنصار ناديه اتحاد العاصمة الذين ألّفوا فيه الأهازيج الكرويّة. لكن كلّ هذا كان سيختفي في رمشة عين بسبب جْرامات معدودة من الكوكايين جعلت اللاعب ينزل من مكانته الاستثنائية التي رشّحته للاحتراف في أوروبا، إلى مجرّد «شاب فاشل مستهتر يتبرّأ منه ناديه» في نظر الكثيرين، ويتّخذه الإعلام مثالًا سيئًا لما يمكن أن تفعل المخدّرات بالشباب.

«بلايلي العاشر».. مدلّل الاتحاد الذي كسر قلوب عشّاقه

منذ مشاركة المنتخب الجزائري في كأس العالم 2014 المتميّزة، التي شهدت تأهّله إلى الدور الثاني، والمباراة البطوليّة ضد ألمانيا المتوّجة باللقب، والتي انتهت بهزيمة 2-1 بعد إجبارها على لعب شوطين إضافيّين وتهديد مرماها حتى آخر دقيقة، كان موضوع اللاعب المحليّ دائمًا ما يُطرح في وسائل الإعلام، خصوصًا وأنّ التشكيلة التي شاركت في كأس العالم غاب عنها لاعبون محلّيون ينشطون في البطولة الوطنيّة، ما عدا اللاعب جابو مهاجم وفاق سطيف حينها، والذي نجح في التسجيل في مرمى الألمان في الدقائق الأخيرة. 

في الموسم الذي تلا كأس العالم مباشرة 2014/ 2015، والذي شهد انفجار قدرات بلايلي مع اتحاد العاصمة، كان الجميع يعوّل عليه ليكون اللاعب الذي يدخل التشكيلة الوطنيّة، ويمثّل البطولة المحليّة فيها وسط طوفان المحترفين، خصوصًا مع تألّقه في البطولة الأفريقيّة رفقة ناديه اتحاد العاصمة. موسم 2014/ 2015 التاريخي مع الاتحاد الذي شهد سيطرته المطلقة على البطولة وتلاعبه بالمدافعين بطريقة أقرب إلى الهزل، ورغم كونه الموسم الوحيد مع النادي العاصمي، إلا أنّه قد شهد أوجّ عطاء اللاعب، سواء من ناحية الأهداف البديعة التي سجّلها في عدّة الدوري والكأس الأفريقيّة، أو المراوغات التي جعلته يخطف قلوب أنصار الاتحاد الذين بقوا أوفياء له، حتّى حين هاجمه الجميع بعد سقوطه في فخّ المخدّرات.

كان يبدو أنّ كل ما يلمسه ابن مدينة وهران يتحوّل إلى ذهب، وأنّنا أمام حالة فريدة في البطولة الجزائريّة التي مضى عليها وقت طويل منذ آخر مرّة أنجبت فيها لاعبًا يستمتع الجمهور بمشاهدة طريقة لعبه ومراوغاته وأهدافه، خصوصًا مع الانخفاض الملحوظ في البطولة في السنوات الماضية وغياب الكرة الجميلة، لكن كلّ ذلك كان سينتهي سريعًا وبصورة مفاجئة تمامًا مثلما بدأ، إذ كشف فحص عشوائي للمنشّطات عن تناول اللاعب مادة «الكوكايين» قبل مباراة ناديه مع مولودية العلمة في منافسة الكأس الأفريقيّة، وهو ما جعل «الكاف» يسلّط عليه عقوبة الإيقاف لمدّة أربع سنوات كاملة، كلّ ذلك واللاعب لم يتجاوز 23 سنة؛ ممّا عنى أنّ أفضل سنوات مسيرته الكرويّة سيقضيها خارج الملاعب. 

المؤشّرات على أنّ شيئًا آخر ما يشغل ذهن المهاجم الشاب كانت موجودة دائمًا، لكن الطاقم الفنّي لاتحاد العاصمة كان يفضّل تجاهل الموضوع عوض معالجته، فقد كان معروفًا أن يوسف بلايلي ببساطة لا يتدرّب، ولا يلتزم بالجانب الانضباطي في الفريق، وهو ما كان يثير العديد من المشاكل بينه وبين مدرّبه الفرنسي كوربيس، إلا أن سعي الإدارة للحفاظ على خدماته كونه أفضل لاعب في البطولة، والأغلى سعرًا على الإطلاق، جعلتها تتساهل معه وتتعامى عمدًا عن تصرّفاته خارج المستطيل الأخضر، ما دام الأداء داخله مستقرًّا؛ الصفقة نفسها التي أجرتها عدّة أندية مع نجومها غير المشتهرين بالانضباط كمارادونا ورونالدينيو وجورج بيست وغيرهم.

قمصان لها تاريخ.. كيف لعب المنتخب الجزائري دورًا في الاستقلال عن فرنسا؟

التورّط في فضيحة ثقيلة كهذه جعلت الجميع يحاول النأي بنفسه عن بلايلي، حتى فريقه اتحاد العاصمة الذي عاش معه الكثير من اللحظات والمباريات المحفورة في أذهان أنصاره، أخذت إدارته مسافة عنه، أو بالأحرى تخلّت عنه في قلب الأزمة، وصرّح رئيس الفريق حينها ربّوح حدّاد بأنّ بلايلي «مجرّد لاعب مرّ من اتحاد العاصمة مثله مثل العديد من اللاعبين، لا أكثر ولا أقلّ»، وهو ما اعتبره بلايلي، ومحبوه من «الاتحاد» طعنة في الظهر، في الوقت الذي كان يحتاج فيه مدلّل الأنصار إلى أي دعم يمكنه الحصول عليه، خصوصًا وأن مسيرته الكرويّة مهدّدة بالانتهاء في بدايتها. ولعلّ الطرف الوحيد الذي آمن فعلًا بعودة يوسف بلايلي، ربما أكثر من بلايلي نفسه، هم قطاع عريض من أنصار الاتحاد الذين أبدوا تضامنًا كاملًا غير مشروط معه، كما ألّف بعضهم أغاني وأهازيج طريفة داعمة له جاء فيها: «بلايلي ظالم ولا مظلوم، صاحي ولا مزطول».

كان الجميع في الصحافة والبلاطوهات التلفزيونيّة يتحدّثون عن نهاية اللاعب المؤسفة، واستحالة عودته مع هذه العقوبة الطويلة، وقد عنونت جريدة الخبر مثلًا خبر العقوبة بـعنوان قاسٍ: «نهاية يوسف بلايلي»، وقال الكثير من المحلّلين إنّه لم يبقى من ذكرى بلايلي سوى عِبرة لبقيّة اللاعبين حول عواقب المخدّرات، لكن اللاعب ذا العيون الناعسة الذي يبدو غير مُبال بأي شيء في العالم كان يُخفي بداخله إصرارًا ومثابرة عجيبيْن على تجاوز هذه المحنة، مؤمنًا أن الفصل الأخير من قصّته لم تكتب بعد، كل ما كان يحتاج إليه، الكثير من الإيمان بقدرته على العودة إلى الملاعب، وفريق من المحامين يملكون ذات الإصرار والمثابرة، بالإضافة طبعًا إلى مبالغ ماليّة ضخمة أتعابًا قانونيّة.

العائد من الموت.. «ريمونتادا» بلايلي تصنع أفراح الترجّي والمنتخب

بعد الأخبار السيّئة وتناسي الكثيرين اسم يوسف بلايلي الذي شغل العالم الكروي الجزائري يومًا ما، جاءت أخبار أقلّ سوءًا، تقول بأنّه جرى تقليص العقوبة بعد الطعن فيها من أربع سنوات إلى سنتين فقط، رغم ذلك أكّد الكثيرون أنّ الابتعاد عن الملاعب لهذه المدّة كلّها ستعني أنّ بلايلي الذي نعرفه قد انتهى من دون رجعة، ومن المستحيل أن يعود إلى مستواه نفسه قبل العقوبة، بالإضافة إلى كلّ هذا فلا نعلم ما يفعله بلايلي طوال السنتين: هل سيتوقّف عن التعاطي، أم أنّه سيغرق في فخّه أكثر فأكثر لتناسي الأزمة التي صنعها بيده؟

مهلة السنتين مرّت بسرعة مع مواظبة بلايلي على التدريبات والحفاظ على لياقته البدنيّة، وبعد العديد من التكهّنات حول الفريق الذي سيكون وجهته الجديدة بعد أزمة الكوكايين، والتساؤل عن مدى تدهور مستواه بعد كلّ هذه المدّة، والحديث عن عودة محتملة إلى اتحاد العاصمة، خاض بلايلي تجربة قصيرة في نادي «أنجي» الفرنسي، قبل أن يغادر بسبب عدم إعطائه فرصة المشاركة ويفضّل العودة إلى الترجّي التونسي، ومباشرة بعد المباراة الأولى التي شارك فيها بلايلي مع الترجّي التونسي، كان من الواضح أن السّاحر الشاب لم يفقد خُدعه بعد، فقد سجّل في أوّل مباراة له مع الترجّي، وواصل التألّق الاستثنائي ليحصد الألقاب القارية والمحليّة، من بينها لقبان أفريقيّان متتاليان والبطولة التونسيّة.
هذا التألّق أمّن لبلايلي مكانة في المنتخب الوطني مع مجيء المدرّب بلماضي، ليغتنم مهاجم الترجّي الفرصة كاملة، ويصرّ على تعويض الفرص الضائعة التي شهدتها مسيرته الكرويّة، ويقدّم مستوى متألّقًا في البطولة الأفريقيّة جعلته محطّ أنظار العديد من الأندية العربيّة، من بينها أحاديث عن اهتمام من طرف الأهلي المصري، أو الانتقال إلى نادٍ قطريّ، لتمثّل قصّته حالة نادرة للاعب الذي استطاع إنقاذ مسيرته الكرويّة من الانتهاء مبكّرًا بسبب المخدّرات، وسط عشرات الأمثلة للاعبين الذين أنهى الإدمان وغياب الانضباط حياتهم الكرويّة مبكّرًا.

المصادر

عرض التعليقات
s