أعلن موقع «يوتيوب (Youtube)» منذ أيام قليلة أن منصة «يوتيوب شورتس (Youtube Shorts)»  أصبحت متاحة للمستخدمين في أكثر من  100 دولة حول العالم، وتعد هذه المنصة الجديدة جزءًا من موقع «يوتيوب» وتطبيقه على الهواتف الجوالة (الموبايل)، وتسمح للمستخدمين برفع فيديوهات قصيرة ونشرها من خلال الهاتف المحمول، مع إمكانية التعديل وإضافة مقاطع الموسيقى والتأثيرات الصوتية والبصرية.

لكن الخصائص التي يطرحها مشروع «يوتيوب» الجديد هي الخصائص نفسها التي يقدمها تطبيق المقاطع المصورة «تيك توك (Tiktok)»؛ فهل يحاول «يوتيوب» سرقة الأضواء من منصة «تيك توك» التي تعد أسرع المنصات نموًّا في تاريخ التكنولوجيا من حيث عدد الفيديوهات وسرعة انتشار المحتوى عبر خاصيته الجديد «يوتيوب شورتس»؟

«ميوزكالي» + «آي مي» = «تيك توك»!

حاولت العديد من شركات التكنولوجيا العملاقة السيطرة على النجاح الساحق لـ«تيك توك»، سواء كان من خلال محاولة شرائه، أم من خلال خلق مُنتجات جديدة يمكنها توفير عوامل الجذب التي تغري المستخدمين.

تأسست منصة «تيك توك» في البداية عام 2016 تحت مظلة شركة التكنولوجيا الصينية الشهيرة «بايت دانس(ByteDance)» تحت اسم «إيه مي (A.me)» وبحلول سبتمبر (أيلول) من العام نفسه، وصل عدد المستخدمين في الصين إلى 100 مليون مستخدم؛ حينها فكر القائمون على الشركة في التوسع إلى الأسواق العالمية.

في ذلك الوقت كان تطبيق «ميوزكالي (Musical.ly)» الذي كان قد نشأ بالأساس في مدينة شنجهاي الصينية، قد بدأ في تحقيق انتشار عالمي؛ لذلك قررت شركة «بايت دانس» التقدم بعرض لشراء «ميوزكالي» ودمجه مع تطبيق «آي مي»؛ وبالفعل نجحت في ذلك وتمت عملية الشراء بمبلغ قدره مليار دولار أمريكي، وفي أغسطس (آب) 2018 دُمج التطبيقان في تطبيق واحد، والذي يعرف حاليًا باسم «تيك توك (Tiktok)»، ليصل عدد مستخدمي «تيك توك» إلى مليار مُستخدم بعد ستة أشهر فقط!

أيقونة تطبيق «ميوزكالي» – مصدر الصورة: ديد لاين

وعلى الرغم من الحرب التي شُنت من شركات التكنولوجيا العالمية على منصة «تيك توك»، فإنه مستمر في النمو وجذب مستخدمين، حتى بعد أن قررت بعض الحكومات منعه في بلادها؛ كما فعلت الحكومة الهندية في يونيو (حزيران) 2020، ووقتها كان المستخدمون الهنود يشكلون حوالي 40% على المنصة.

لكن كل هذا لم يكن كافيًا للقضاء على التطبيق الذي بات الأشهر؛ فقد نجح القائمون على المنصة في استغلال فترة الحظر المنزلي أثناء جائحة كورونا في تطوير المحتوى والخصائص على التطبيق مما جعله أكثر التطبيقات نموًّا في العالم، والذي وصلت أرباحه في عام 2020 فقط إلى 34.4 مليارات دولار، مقارنةً بحوالي 19 مليار دولار فقط حققها «يوتيوب» العام الماضي.

لكن كيف لم تنجح كل المحاولات للسيطرة على «تيك توك» حتى الآن؟

مارك زوكربيرج حاول أولًا

في عام 2009 حجبت الحكومة الصينية موقع «فيسبوك» من الظهور على شبكة الإنترنت في الصين؛ وبذلك حرمت المنصة من فرصة الوصول لحوالي 700 مليون شخص هم مُستخدمو الشبكة العنكبوتية آنذاك. ومنذ  تلك اللحظة؛ يسعى مارك زوكربيرج، المؤسس والرئيس التنفيذي لـ«فيسبوك»، العودة إلى السوق الصيني الذي يعد أكبر الأسواق التكنولوجية في العالم.

فنجد مثلًا أنه في أكثر من مُناسبة يتحدث عن رحلته في تعلم اللغة الصينية، وإلى أي مدى أصبحت أهم اللغات في العالم، وفي عام 2015 قام بجولة في عدة فعاليات ومؤتمرات في الصين؛ حتى إنه ألقى خطابًا باللغة الصينية في جامعة «بكين للدراسات الدولية»، وقال فيه إنه موجود في الصين لأنه يريد أن يجعل «فيسبوك» العالم وحدةً واحدة، لكن الخلاف الدائم مع الحكومة الصينية يحول بينه وبين تحقيق هذا الهدف.

وعلى الرغم من أن الحكومة الصينية أطلقت تطبيق ومنصة «وي تشات (We Chat)» التي لها خصائص «فيسبوك» بالإضافة إلى خصائص استباقية مثل عملية الدفع والشراء والتداول المالي، وأصبحت منصة التواصل الاجتماعي الأولى في الصين؛ فإن هذا لم يقلق مارك زوكربيرج كما فعل به تطبيق «تيك توك».

جدير بالذكر، أنه عندما تحاول إدارة «فيسبوك» السيطرة على منصة تواصل اجتماعي واعدة؛ فإنها تتبع سياستين لا ثالث لهما؛ الأولى هي تقديم عرض مالي قابل للتفاوض، وفي حالة النجاح تدفع المقابل المادي وتستحوذ على المنصة الواعدة وتضمها لمجموعتها؛ كما حدث مع تطبيق الرسائل السريعة «واتساب (Whatsapp)».

أما السياسة الثانية التي يتبعها «فيسبوك» في حال رفض القائمون على المنصة الواعدة بيعها لهم؛ هي قتل المنصة وسرقة مستخدميها. وخير مثال على ذلك هو ما فعله مع تطبيق «سناب شات (Snapchat)» الذي حاول «فيسبوك» شراءه أكثر من مرة؛ وعندما لم تنجح المحاولات؛ قام بنسخ خصائص «سناب شات» في تطبيقات «فيسبوك» و«إنستجرام» مثل الحالات اليومية (stories) واستخدام المؤثرات البصرية والسمعية في تصميم فيديوهات ومقاطع مصورة، لكن «فيسبوك» قدم هذه الخصائص بشكل أفضل بالأخص في تطبيق «إنستجرام»؛ مما جعله عاملَ جذبٍ أفضل للمستخدمين الذين بدؤوا في هجر «سناب شات» تدريجيًّا.

وقد حاول «فيسبوك» شراء تطبيق «ميوزكالي» بالفعل قبل أن تسيطر عليه شركة «بايت دانس» الصينية العملاقة. ففي أغسطس 2016 دعا مارك زوكربيرج القائمين على تطبيق «ميوزكالي» لزيارة المقر الرئيسي لـ«فيسبوك» في الولايات المتحدة وتناقش هو ومساعدوه مع مسئولي التطبيق الصيني، وتحدد ميعاد آخر في الصين لمتابعة عرض «فيسبوك» للاستحواذ على المنصة.

لكن على الرغم من أن التفاوض كان يسير بخطى سريعة نحو نجاح عملية الاستحواذ؛ فإنه توقف، واستحوذت الشركة الصينية الأخرى «بايت دانس» على التطبيق ودمجته في تطبيقها الآخر (آي مي)  وحولتهما إلى «تيك توك».

وعليه؛ اتجه «فيسبوك» لاتباع السياسة الثانية؛ وذلك عندما أطلق تطبيق «إنستجرام» – التابع له – خاصية شبيهة بفيديوهات منصة «تيك توك» تحت عنوان «رييلز (Reels)».

لكن هذه الخاصية لم تلقَ انجذاب المستخدمين ولم تؤثر مطلقًا على «تيك توك»؛ حتى إن عدد من المستخدمين كان يصنع فيديوهاته على «تيك توك» ثم ينشرها على مساحة الـ«رييلز» في تطبيق «انستجرام»؛ لتظهر بشعار «تيك توك» في قلب منصة تابعة لـ«فيسبوك»؛ مما جعل إدارة «إنستجرام» تحدُّ من انتشار هذه الفيديوهات. وكان ذلك بمثابة اعتراف إدارة «فيسبوك» بحقيقة فشلها في عدم السيطرة على تطبيق «تيك توك».

ثم جاء ترامب ورفاقه!

في يوليو (تموز) عام 2020 شن دونالد ترامب حملة شرسة على تطبيق «تيك توك» واصفًا إياه بأنه أداة تستخدمها الحكومة الصينية للتجسس على المواطن الأمريكي؛ ووصل الأمر إلى دعوته المُشرِّعين في الولايات المتحدة للعمل على مشروع قانون يجرم التطبيق والتطبيقات المُشابهة التي تُدار في الأراضي الواقعة تحت حكم الدولة الصينية.

وبالفعل منح ترامب مهلة للقائمين على التطبيق حتى يوم 15 سبتمبر (أيلول) 2020 للخروج من قبضة الشركة الصينية، أو إسناد إدارة التطبيق في الولايات المتحدة إلى شركة أمريكية.

وبعد شهرين من بداية هجوم ترامب على التطبيق؛ أعلنت إدارة «تيك توك» أنها سوف تنشئ شركة جديدة لإدارة التطبيق يكون مقرها الولايات المتحدة. ليس ذلك وحسب؛ بل أعلنت الشركة الأصلية أنها سوف تمتلك 80% من الشركة الجديدة؛ وسوف تكون النسبة المتبقية (20%) من نصيب تحالف مكون من شركتين أمريكيتين هما: شركة التكنولوجيا  «أوراكل(Oracle)» بنسبة 12.5%، وشركة المولات التجارية «وول مارت (walmart)» بنسبة 7.5%.

وفسَّر بعض المحللين أن ما حدث من هجوم ترامب على التطبيق ثم تكوين شركة جديدة مقرها أمريكا، ما هو إلا محاولة من ترامب لزيادة فرصته في انتخابات عام 2020 التي خسرها في وقتٍ لاحقٍ؛ إذ كانت مهاجمته للصين خلال حملته الانتخابية عام 2016؛ أحد العوامل المهمة، التي جعلت من ترامب مرشحًا مفضلًا لدى قطاع كبير من المصوتين الأمريكيين، لذلك يصبح إرضاخ شركة عملاقة صينية للقانون الأمريكي انتصارًا كبيرًا بالنسبة له ولمؤيديه.

من ناحيةٍ أخرى، نجد أن  شركة «أوراكل» التي حصدت النسبة الأكبر في التحالف يترأسها رجل الأعمال الأمريكي لاري إليسون، الذي يعد من أبرز المؤيدين لدونالد ترامب، وقد أدار جولةً ضخمةً لحصد التبرعات له في انتخابات عام 2016، لذلك يمكن تفسير وجود «أوراكل» في التحالف بأنه «قربان» قدمه ترامب للاري إليسون حتى يحصل على خدماته في انتخابات 2020، وهذا ما تحقق بالفعل.

هناك أمر آخر مثير للجدل في هذه الاتفاقية؛ ألا وهو أن شركة «بايت دانس» الصينية تلقت عرضًا آخر مغريًا غير عرض «أوراكل» و«وول مارت»، من شركة «مايكروسوفت» الأمريكية، التي تمتلك خبرة أكبر وقنوات تسويق أقوى وأكثر من «أوراكل»، وبينما حجم الاستثمار الذي وضعه التحالف الأمريكي لم يكن معروفًا؛ أعلنت شركة «مايكروسوفت» بكل شفافية أنها سوف تقدم استثمارات قيمتها 50 مليار دولار، ولكن عرضها رُفض في اللحظات الأخيرة كما أعلنت الشركة في بيانٍ لها.

وفي كل الأحوال، وبإعلان الشركة العالمية التي مقرها الولايات المتحدة، يمكن أن نستنتج أن عملية الاستحواذ على تطبيق «تيك توك» أصبحت مستحيلة بسبب ارتفاع القيمة المالية ووجود أكثر من طرف في إدارة التطبيق.

وهناك أيضًا سبب آخر، هو أن عمالقة التكنولوجيا في العالم «فيسبوك» و«مايكروسوفت» و«ألفابايت» (المالكة لـ«يوتيوب» و«جوجل») قيد التحقيق من قبل وزارة العدل الأمريكية بسبب ضلوعهم في أنشطة احتكارية كتبنا عنها سابقًا.

العالم والاقتصاد

منذ 7 شهور
«جوجل» و«فيسبوك» أول المتهمين.. الحكومة الأمريكية تعلن الحرب على الاحتكار

بعد فشل الجميع في إزاحة «تيك توك».. هل يفعلها «يوتيوب شورتس»؟

أطلقت شركة «جوجل» خاصية «يوتيوب شورتس» وعينها على منافسة منصة «تيك توك» ومحاولة سرقة الأضواء منها كما فعل «فيسبوك» سابقًا مع «سناب شات». فعلى سبيل المثال سنجد مثلًا؛ أن منصة «يوتيوب» أعلنت في مايو (أيار) الماضي، أنها خصصت 100 مليون دولار مكافأةً لأكثر الفيديوهات والمقاطع المصورة تحقيقًا للمشاهدة والتفاعل على المنصة؛ في خطوةٍ تعد محاولةً لجذب صناع المحتوى الناشطين على «تيك توك» بكل تأكيد.

التدريج في إطلاق المنصة الجديد، يعد نقطة مهمة قد تجعل مستقبل «يوتيوب شورتس» أفضل من محاولة «فيسبوك» و«إنستجرام»، لأن الخاصية كما ذكرنا في البداية، سوف تكون متاحة في 100 دولة جديدة، على عكس «إنستجرام» الذي أتاح الخدمة في العالم بشكلٍ لم يمنحها فرصة التجريب على عدد قليل من المشتركين؛ بل ظهرت وكأنها منتج نهائي.

وتجدر الإشارة إلى أن «جوجل» فكرت في شراء منصة «تيك توك» منذ سنوات، لكن القائمين على الشركة تراجعوا، ولم يكن هناك سبب معلن. لكن يمكن التكهن بأن تلك الخطوة كانت بسبب اتهامهم بممارسة أنشطة احتكارية من قِبل الحكومة الأمريكية؛ لذلك يمكن القول إن «يوتيوب شورتس» هو فرصة «جوجل» الوحيدة كي تعود بمنصة «يوتيوب» إلى القمة التي تربع عليها «تيك توك» مؤخرًا بشكله المميز.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد